من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال جرير يرثي قيس بن ضرار
وباكية من نأى قيس وقد نأتبقيس نوى بين طويل بعادها
أظن انهمال الدمع ليس بمنتهعن العين حت يضمحل سوادها
وحق لقيس أن يباح له الحمىوأن تعقر الوجناء إن خف زادها
قوله (وباكية من نأى قيس) ألم فيه بقول الآخر:
وكنت أرى كالموت من بين ليلةفكيف ببين كان ميعاده الحشر
فيقول: رب امرأة باكية لبعد قيس عن مقر عزه، ومسكن فخره، ونأى قيس الساعة لمنتوى بعده طويل. والنوى: وجهة القوم التي ينوونها، وهي مؤنثة. وأضاف النوى إلى البيتين - وهو الفراق - لأن الغرض في تلك النوى كان مفارقة الأحياء، والتنقل إلى دار القار، فالبين سببها ومقتضيها. وارتفع (بعادها) بطويل، والضمير منها يعود إلى النوى. والواو من قوله (وقد نأت) واو الحال.
وقوله (أظن انهمال الدمع) يريد أن أوقات البكاء متصلة، وآماد سيلان الدموع غير منقطعة، والعين وشؤونها لا تثبت لذلك ولا تقوى به، فلا شكأن سوادها يبطل. وذللك أن مسببات الأشياء إنما تقوى وتدوم بقوة أسبابها ومقتضياتها، فما دام سب البكاء - وهو الحزن والهلع - يملك الباكي ويقود زمامه، فالدمع سائل ذارف، وسواد العين مشف على البطول هالك.
وقوله (وحق لقيس أن يباح له الحمى) الأصل في الحمى الماء والكلأ، ولما كان العزيزمنهم يستبيح الأحمية ويحفظ حمى نفسه ويمنع منه كل أحد، وإذا قال أحميت هذا المكان، أي جعلته حمى، كان يتجنب ويتحامى إجلالاً وخوفاً منه - استعير من بعد للقلب وما يمتلك منه الحب أو الحزن أو غيرهما وما لا يمتلك منه، فيصير كأنه حمى العقل. فيقول: حق لقيس وللمصاب به أن يباح له من القلوب ما كان حمى، فلا ينزل به غم، ولا ولا يمتلكه سرور، أي حق للجزع به أن يبلغ من القلب حداً لم يبلغ منه شيء. وقد أخرجوا هذا المعنى في معارض لأنه صحيح حكيم الشريف، فقال كثير في الحب يصف إمرأة:
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلهاوحلت تلاعاً لم تكن قبل حلت
يريد: بلغت من القلب هذا المبلغ.
وأخذه منه عبد الله بن الصمة القشيري، فقال:
فحلت محلاً لم يكن حل قبلهاوهانت مراقيها لريا وذلت
وأخذه أبو نواس فقال:
مباحة ساحة القلوب لهيرتع فيها أطالب الثمر
بصحن خد لم يغض ماؤهولم يخضه أعين الناس
فنقل إلى الخد وغمض كما ترى.
وقال آخر يصف ناقة:
حمراء منها ضخمة المكان
يريد عظيمة المكان من القلب. ذكره الأصمعي. يريد أنها محببة. وقد قيل فيه غير هذا. وقوله: (وأن تعقر الوجناء أن خف زادها) كان الواحد منهم إذا مر بقبر رئيس وهو في صحبة أحب أن ينوب عن المقبور في الضيافة، فإذا لم يساعده من الطعام ما
يدعو الناس إليه عقر ناقته؛ إكراماً له. لذلك قال (وأن تعقر الوجناء إن خف زادها). والوجناء: الناقة الصلبة، أخذ من الوجين، وهو الأرض الصلبة. فمن روى (أن خف زادها) بفتح الهمزة، فالمراد لأن خف زادها. ومن روى (إن خف) بكسر الهمزة فهي للشرط. وقد اعتذر بعضهم من ترك ذلك فقال:
لولا السفار وبعد خرق مهمةلتركتها تحبو على العرقوب
يعني ناقته.
وقد حكى ابن الأعرابي حكاية مليحة، قال: كان رجل يواصل امرأة فخرج في سفر له وعاد وقد استبدلت به، فأتاها لعادته، فقالت:
ألم تر أن الماء بدل حاضراًوأن شعاب القلب بعدك حلت. فأجابها:
فإن تك حلت فالشعاب كثيرةوقد نهلت منها قلوصي وعلت
تم باب المراثي بحسن توفيق الله وجميل صنعه، وله على تواتر نعمه، وتتابع أياديه، أجزل الحمد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع