من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت امرأة من طيء
تأوب عيني نصبها واكتئابهاورجيت نفساً رث عنها إيابها
أعلل نفسي بالمرجم غيبةوكاذبتها حتى أبان كذابها
أصل التأوب والتأويب: سير النهار كله حتى يتصل بالليل. وقد فسر ابن الأعرابي قول النابغة:
وليس الذي يتلو النجوم بآيب
على أنه من هذا لا من الأوبة الرجوع. والنصب، من قولهم أنصبه المرض والحزن، إذا أثر فيه. قال:
تعناك نصب من أميمة منصب
وقال الدريدي: يقال نصبه أيضاً. والاكتئاب: الحزن. والمعنى أنه ناب عيني، وواظب عليها من السهر والكآبة والهم الناصب، ماأثر فيها، وعلقت رجائي بنفس غائبة عني قد استعجمت أخبارها علي، فأبطأ رجوعها إلي.
وقولها (أعلل نفسي بالمرجم غيبة) تريد: أزجى وقتي وأرضي نفسي بظن مرجوم وأمل مرجو، وحديث مؤلف، وتمن مزخرف فيما لا حقيقة يعتمد عليها، ولا أمارة يتأكد الطمع فيها. ويقال: رجم الرجل بالغيب، إذا تكلم بما لا يعلم.
وقولها (وكاذبتها حتى أبان كذابها) أي استعلمت ملفق الأحاديث ومموه الأباطيل معها، إلى أن برح الخفاء، وانكشف عن جلية الأمر الغطاء، وتعلى رغوة الكذب عن مصدوقة الخبر. والمكاذبة تكون من اثنين، كأنه كان يكذب نفسه فتقتربهوتزيد عليه.
فلهفي عليك ابن الأشد لبهمةأفز الكماة طعنها وضرابها
متى يدعه الداعي إليه فإنهسميع إذا الآذان صم جوانبها
هو الابيض الوضاح لو رميت بهضواح من الريان زالت هضابها
تتلهف على مافات عشيرتهمنه من حسن الدفاع، والثبات في وجه الشجاع الذي لا بدري كيف يدفع، وأنى يؤتى ويقدع، وقد طرد الشجعان وطرقهم ذعراً، شدة مطاعنته، وقوة مضاربته. وقال الخليل: أفزه: أفزعه. واستفزوه: أخرجوه من داره وخدعوه حتى ألقوه في الجهل. وفي القرآن: وإن كادور ليستفزوانك من الأرض ليخرجوك منها. والبهمة تقع على الواحد والجماعة، وهاهنا هي للواحد، بدلالة قولها (متى يدعه الداعي إليه) فلم تقل إليهم، فأما قولها (طعنها وضرابها) فالضمير جاء فيه على لفظ البهمة.
ومعنى (متى يدعه الداعي إليه)، أنه إذا الداعي لمارزة هذه البهمة ومنازلته، فإنه كان يسمع ويجيب، في وقت تستك فيه المسامع لشدة الأمر، وإلباس الخوف. وجعل الصمم للجواب مجازاً، وإنما تصم الآذان عن السماع فينقطع الجواب.
وقولها (هو الابيض الوضاح) تريد خلوص النسب وزكاء المنصب، واشتهار الذكر في الأفق. وقولها (لورميت به ضواح) تريد نفاذه وحسن خروجه مما يدخل فيه وشدة صدمته للأمور، ولجاجه في إبرامها. فيقول: لو رميت بوارز هذا الجبل به لزعزعها، وهد جوانبها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع