تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال صخر بن عمرو أخو الخنساء

وقالوا ألا تهجو فوارس هاشمومالي وإهداء الخنا ثم ماليا
أبى الهجر أنى قد أصابوا كريمتيوأن ليس إهداء الخنا من شماليا

يريد: قال الناس باعثين لي على هجاء من أصابني في أخ معاوية ونحت أثنتهم، وذكر أعراضهم: ألا تنتقم منهم بالقول إلى أن يتسهل الفعل فتذكر معايبهم، وتكشف عن مستور مخازبهم، ومجهول مقابحهم ومساويهم؟ فأجبتهم وقلت: مالي وذكر القبيح وإهداء الفواحش ثم مالي؟ أما تعلمون أن ما بيني وبينهم أقذع من

الهجاء، وأن جزاء من أصاب كريمتي أفضع من الإهجار، وأنه ليس قول القبيح وتنقص الناس من عادتي وطبيعتي، إذ كنت أرباً بقدري عن الوقوف موقف المغتابين والطاعنين في الأنساب والأعراض. وقوله (ومالي وإهداء الخنا) انتصب إهداء بفعل مضمر، وتكريره لمالي دلالة على استقباحه لما بعث عليه، ودعى إليه. والخنا هو الفحش، كأنه قال: مالي ألابس الخنا وأتكلفه. وقوله (أصابوا كريمتي) فالكريمة أخرج إخراج المصادر، وعلى ذلك ماروى على النبي ﷺ (إذا أتا كم كريمة قوم فأكرموه).

ويجوز أن تكون الهاء للمبالغة. وقوله (وأن ليس إهداء الخنا) أن مخففة من الثقيلة، واسمه مضمر، والجملة التي بعده في موضع الخبر، وموضع أن رفع بكونه معطوفاً على أنى قد أصابوا، وأنى فاعل أبي الهجر.

إذا ماامرو أهدى لميت تحيةفحياك رب الناس عني معاوياً
لنعم الفتى أدى ابن صرمة بزهإذا راح فحل الشول أحدب عارياً
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة

يقول: اذا رجل حيا ميتا فتولى الله تعالى عني تحيتك يا معاوية. والتحية من الله تعالى: الاكرام والاحسان، والتفضل عليه بما هو أهله.

وقوله (لنعم الفتى) المحمود بهذا الكلام محذوف، كأنه قال: لنعم الفتى الذي ذا صفته. وقوله (ادى ابن صرمة بزه) اراد سلاحه وسلبه. وقوله (اذا راح) ظرف لما دل عليه نعم الفتى. أي يحمد في هذا الوقت اذا اشتد الزمان وأجدبت الأرض، وانصرف فحل الشول من مرعاه عارياً من اللحم مهزولاً، لكثرة أفضاله، وحسن تفقده واتصال بره بمن يجمعه اليه نسب أو سبب. والشول: النوق القليلة الألبان، واحدتها شائلة. وابن صرمة المذكور يجوز أن يكون القاتل لمعاوية أو المعين عليه.

وطيب نفسي أنني لم أقل لهكذبت ولم أبخل عليه بماليا
وذي اخوة قطعت أقران بينهمكما تركوني واحداً لا أخاليا

تسلى فيما أوجعه من الرزء بأن لم يكن جفاه وهو حي قولاً ولا فعلاً، ثم تسلى أيضاً بأنه كما فرق بينه وبين اخوته وترك فريداً وحيدا، قد تولى مثل ذلك من معاديه، فرب اخوة متناصرين صارت كلمتهم واحدةً، وأهواؤهم متفقة، وهم في تألفهم وتشابههم، وتلاؤمهم وترافدهم، كالحلقة المفرغة لايدرى أين رأسهم، أنا قطعت علائق بينهم، ووصل نظامهم، فتفرقوا وتفاقدوا حتى صاروا في التشتت مثلا، كما كانوا في التجمع مثلا. وهذا بازاء ما فعل بي، وفي مقابلة مانيل مني. والدهر تارات، و (ومن ير يوماً يرى به). وقد مر القول في قوله (لاأخاليا). وانتصب (واحداً) على الحال من تركوني، ولا أخالياصفة له، كأنه قال: تركوني وحيداً فريداً. وقوله (أقران بينهم) أي وصل بينهم. وأصل الأقران الحبال، والواحد قرن. يريد: إني قطعت الأسباب الجامعة بينهم بقتلهم وتفريقهم. و (بين) جعله اسماً. وفي القرآن: لقد تقطع بينكم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٣٠)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.