تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أبو وهب العبسي يرثي ابنه

أرابع مهلا بعض هذا وأجملىففي اليأس ناه والعزاء جميل
فان الذي تبكين قد حال دونهتراب وزواء المقام دحول

سلك فيما مسلك أوس بن حجر، حين قال:

أيتها النفس أجملى جزعاان الذي تحذرين قد وقعا
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أمسى سمير قد بان فانقطعا»

والمرأة المخاطبة فيما نظن أم المرثى. (مهلابعض هذا) انتصب بعض باضمار فعل، كأنه قال: رفقاً كفى بعض ما تأتينه، وأحسني العزاء، ففي اليأس ممن قد مضى ناه لك عن الاسراف في الجزع، والافراط في الالتياع والهلع؛ والصبر جميل كيف كان، فإن من تبكينه حجز بينه وبيننا تراب مهيل، ولحد قعير، وحفرة معوجة، وهوة مهولة، فلا طمع في الالتقاء، ولا في الرجوع والانكفاء.

وقوله (وزوراء المقام) أي معوجة الموضع الذي يقام فيه منها. وقوله دحول، يقال بثر دحول، أي ذات تلجف.

نحاه للحد زبرقان وحارثوفي الأرض للأقوام قبلك غول
فأي فتى واروه ثمت أقبلتأكفهم تحثي معاً وتهيل

اللحد: ما حفر في عرض القبر. ويقال لحدث القبر وألحدته، وقبر ملحود وملحد ولاحد، أي ذو لحد، يقول: ولاه للحد قبره هذان الرجلان، والعادة مستمرة في فناء الأمم السالفة قبلنا؛ لأن الأرض لا تخلو مما يغتال الأحياء ويهلكهم. والغول: الهلكة، ويقال: غالة الموت. وقال الشاعر:

وما ميتة إن متها غير عاجزبعار إذا ما غالت النفس غولها

والكلام فيه تأس وتعز، بعد أن اقتص دفنه ومن تولى ذلك منه. ثم قال على وجه التعجب: أي فتى غيبوه ودفنوه؟! يعظم أمره ويفخم شأنه. وقوله (ثمت أقبلت) التاء من ثمت علامة التأنيث، وهو تأنيث الخصلة. وكما تتصل هذه العلامة بالاسم نحو امرىء وامرأة، وبالصفة نحو قائم وقائمة، تتصل بالفعل، والاسم والفعل هما موضعها، إلا أنها في الاسم يبدل منها الهاء في الوقف، وينتقل الإعراب عن آخر الاسم إليها. وفي الفعل يسكن إلا أن يلاقيه ساكن آخر، ويكون تاء في الوصل والوقف جميعاً. وفي الحرفيقل دخوله، وإذا دخل حرك بالفتح، نحو ربت وثمت، وتبقى تاء في كل حال.

وقوله (تحثي معاً) انتصب معاً على الحال. والحثى: أن ترفع يدك بالتراب أو غيره فتفرقه في الجو. قال:

الحصن أدنى لو تآبيتهمن حثيك الترب على الراكب

والحاثياء: تراب يجمعه اليربوع، من هذا: والهيل: أن تجرفة من غير أن ترفع اليد به. ويقال: هلت التراب وأهلته. وفي المثل (محسنة فهيلى) ويقال: (جاء بالهيل والهيلمان) أي بالشيء الكثير، ويجوز أن يكون من هذا، لأن المعنى جاء بما اجتمع هيلاً لا كيلاً.

وفي الطريقة التي سلكها من اقتصاص الحال في الدفن والحثي، قد أحسن من قال:

ألم ترني أبني على الليث بيتهوأحثى عليه الترب لا أتخشع
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
كأنى أدلى في الحفيرة باسلاًعقيراً ينوء للقيام ويصرع
تخال بقايا الروح فيه، لقربهبعهد الحياة، وهو ميت مقنع
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

ألا تراه كيف صور التهيب منه والإعظام له في تلك الحالة.

وظلت في الأرض الفضاء كأنماتصعد بي أركانها وتجول
وشد إلى الطرف من كان طرفهبعهد عبيد الله وهو كليل

يقول: دبر بي لما شاهدت من أمره ما أنكرت، واسودت الأرض في عيني فصارت على سعتها كأنما جمعت جوانبها، فأصعد فيها وهي تجول فلا تهدأ، وتدور فلا تقر.

وقوله (وشد إلى الطرف) أي نظر إلى بشدة وتحديق. وفي الحديث: قيل لأبي محذورة وشد أذانه: (أما خشيت أن تنشق مريطاؤك). ويقال: شددنا على يد فلان وشددنا يده، أي قويناه، والطرف: تحريك الجفن في النظر. يقول: شخص بصره فما يطرف. وقوله (من كان طرفه) كان هذه هي التامة. والمعنى من وقع طرفه وحدث طرفه وحدث طرفه في زمن عبيد الله وبعهده وهو كليل، يريد: من كان لا يملأ عينه منى في حياته تهيباً صار ينظر إلى شزرا ونظراً شديداً. وإنما قواه تجاسره وما حدث له وفي تقديره، من منة استجدها، وقوة عاودته واستظهر بها. وقوله (وهو كليل) الواو واو الحال.

لئن كان عبد الله خلى مكانهعلى حين شيبي بالشباب بديل
لقد بقيت منى قناة صليبةوإن مس جلدي نهكة وذبول
وما حالة إلا ستصرف حالهاإلى حالة أخرى وسوف تزول

اللام من (لئن) موطئة للقسم المضمر، وجوابه (لقد بقيت). وخلى مكانه، أي ترك مكانه من العيون والقلوب خالياً. ويجوز أن يريد ترك مكانه من دنياه لمن شاء. على حين شيبي، أي في وقت استبدلت بالشباب شيباً، وبالقوة ضعفاً، لقد بقي مني إباء شديد، ولجاج على من يقصد اهتضامي بليغ؛ فقناتي صلبة على غامزها، ممتنعة على مثقفها، وإن كانت المصيبة نالت مني فنحل جسمي، وذبل جلدي، وحال لوني، وتحول عما كان عليه أمري وشأني. وقد تقدم القول في القناة

وطريقتهم في استعارتها وجعلها مثلاً. وقوله (وما حالة إلا ستصرف حالها) يريد: وما خطه إلا ستحول صورتها إلى صورة أخرى ما بقيت وأمهلت، ثم من بعد سوف تزول فلا تبقى، ونحول عن المعهود فتفنى. والمعنى: إن شيئاً من أسباب الدنيا وأعراضها لا يدوم على حد، ولا يستمر على طريق ووجه، لكن يسلط عليه التغير والتبدل، فيزداد عما يكون عليه، أو يتراجع هذا إذا سلم، ومن بعد سوف يكون مغيره مهلكة، ومدبرة مدمرة.

وأنشد أيضاً:

وقاسمني دهري بنى بشطرهفلما تقضى شطره عاد في شطري
ألا ليت أمي لم تلدني وليتنيسبقتك إذ كنا إلى غاية نجري
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

كانت رواية الناس برهة (وقاسمني دهري بني بشطره) مضافاً، (فلما تقضى شطره) بالضاد، وارتفاع الشطر به، فجاء شيخ لنا فرواه:

بشطرة فلما تقصى شطره

وكان يقول: هذه ضالة أنا وجدتها، وهو مما حكاه أبو زيد من قولهم: بنو فلان شطرة، إذا كان ذكورهم بعدد إناثهم. يريد: ناصفني. ومعنى (تقصى شطره) بلغ أقصاه واستوفاه. والذي أختاره أن يروى (بشطره) على الإضافة. ومن الظاهر أن تقصى أحسن من تقضى في اللفظ، وأبلغ في المعنى. ومعنى بشطره كأن الدهر ادعى أنه قسيمة في بنيه وأن له منهم الشطر، وهو النصف، فقاسمه على ذلك، فلما استوفى حظه أقبل بأخذ من نصيبه الذي كان أفر له به، وساهمه عليه، وإنما اخترت بشطره على (شطرة)، لأن شطرة لم يستعمل في الانصباء والسهم، والشطر في النصف معروف ومستعمل، ومنه شاة شطور، إذا يبس أحد ضرعيها. وكذلك قولهم: حلب الدهر أشطرة، إذا جرب الأمور، وأصله من الحلب، أي حلب شطراً من الخير وشطراً من الشر، حتى تبصر وعرف مواضع النجاة من مواضيع العطب والهلكة.

وقوله (ألا ليت أمي لم تلدني) تمنى السلامة بأن كان لا يخلق ولا يخترع فينجو من الابتلاء، وملابسة أنواع البلاء، والتردد بين السعادة والشقاء؛ وتمنى بعد أن أوجد وخلق ألا يكون فاقدة والمعزى فيه، بل كان السابق له والمقدم عليه، سيما وهما جاريان إلى غابة من العطب لا محيص عنها، ولا مفر منها.

وكنت به أكنى فأصبحت كلماكنيت به فاضت دموعي على نحري
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وقد كنت ذا ناب وظفر على العدىفأصبحت لا يخشون نابي ولا ظفري
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

جرى على افتتنانهم في تحويل الكلام عن الاخبار إلى الخطاب، وصرفه عن العموم إلى تخصيص بعضهم بالذكر. ألا ترى أنه أخبر في قوله (وقاسمني دهري بني) ثم قال (ليتني سبقتك) فرجع إلى خطاب واحد منهم، ثم قال (وكنت به أكني) فأخبر به عن أحد بنيه. والمعنى: كنت اكتنيت به حباً لذكره واسمه، وتفاؤلاً ببقائه وداومه، فبقي الاسم والشخص مفقود، فلا جرم أني متى كنيت به تجدد لي حزن أفاض عبرتي، وأغاض ماء عيشتي.

وقوله (وقد كنت ذا ناب وظفر على العدى) يريد: إني كنت تام السلاح بهم، موفور العدد والعدد بمكانهم، مخشي الجانب، لا يطمع في استنزالي عن حجة أركبها، أو شبهة اتعلق بها. وذكر الناب والظفر مثل ضربه لسلاحه وآلاته التي كان يدفع الخصوم بها، ويقهر الأعداء باستعمالها. وقوله (لا يخشون نابي ولا ظفري) يريد لا ناب لي بعدهم ولا ضفر فيخشى. فهو مثل:

ولا ترى الضب بها ينجحر

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٣٠)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.