من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت أخت المقصص
ياطول يرمي بالقليب فلم تكدشمس الظهيرة تتقي بحجاب
ومر جم عنك الظنون رأيتهورآك قبل تأمل المرتاب
قول (ياطول يومي) لفظه نداء، ومعناه تعجب واشتكاء، وإنما استطاله لأنه كان يوم نحس ومكروه. فيقول: يومي بالقليل امتد وطال حتى كادت الشمس لا
تحتجب عن الأبصار بحجابها المعلوم؛ فيا له من يوم ما أطوله. والقليب: موضع. وأضاف الشمس إلى الظهيرة كأنه لما قام قائم الظهيرة وقفت حيرى فلم تكن تجنح إلى المغيب، ولا كانت تسير فتهوى للغروب.
وقوله (ومرجم عنك الظنون) وصفه بأن الآفاق على بعدها كانت قريبة عليه لما أيد به من العزم وتسهل له وفي نفسه من وعورة السير، فيقول: رب مكاشح لك كان على تنائيه عنك، وتحزمه معك، واستظهاره بإبعاد الدار منك، يرجم الظن فيك، ويوسوسإليه ما يعرفه من إبعادك في الغزو، وقلة احتفالك فيما تركبه بلواحق التعب، وعوارض الخطر - أنك تقصد وتوقع به آمن ماكان منك، وهو فيه وسواسه لم يحدث نفسه بتأمل ما وقع في خلده، ولا بالكشف عما ارتاب له، إذ أنت أتيته من حيث لا يحتسبه، واستبحت حريمه، واتسغنمت. وقوله (قبل تأمل المرتاب) يجوز أن يريد به قبل تأمله، فيكون المرتاب هو المرجم المكاشح. ويجوز أن يكون جعله مثلاً.
وقد ألم بهذا المعنى أبو تمام في قوله:
أسرت لك الآفاق عزمة همةجبلت على أن المسير مقام
فأفأت أدماً كالهضاب وجاملاًقد عدنا مثل علائف المقصاب
لكم المقصص لا لنا إن أنتملم تأتكم خيل ذوو أحساب
يقول: غزوته فجعلت ماله فيئاً وغنيمةً: نوقاً كالجبال سماناً، وذكورةً عظاماً ضخاماً، عدنا كالتي يسمنها الجزار للنحر.
وقوله: (لكم المقصص لا لنا) يقول: إن لم تأتكم خيل إذا طلبوا الثأر طلبوه عن إمتعاض وشدة أنفة، وجد في الأمر واجتهاد، فعل الحسيب الكريم الذي لا يغمض عن قذى، ولا يصبر فيما يحق له على أذى، فأنتم أولياء دمه من دوننا، والمالكون له سوانا. وقد تركنا لكم، وفزتم بما أصبتموه، واستمرأتم ما طعمتموه.
وقوله (أفأت) من الفيء: الغنيمة، لا من الفيء الرجوع. والجامل موحد اللفظ مصوغ للجمع، ويراد به الإبل، لكنه مشتق من لفظ الجمل كالباقر من البقر. والعلائف: جمع العلوف، وهو ما يسمن في البيوت. ويقال: شاة معلفة، أي مسمنة. والمقصاب، بناه بناء مايكون آلة، فهو كالمفتاح، لا بناء ما يكون الحرفة والمزوالة. والواجب أن يكون (القصاب)، وهو من القصب: القطع والفصل، لأنه يقصب الشاة أي يقطعها.
وأبو اليتامى ينبتون ببابهنبت الفراخ بمكلىء معشاب
فكه إلى جنب الخوان إذا غدتنكباء تقلع ثابت الأطناب
قوله (وأبة اليتامى) أي كان يكفلهم ويعولهم، ويشفق عليهم ويتحدب، حتى كأنه ابوهم. وارتفع (أو) كأنه خبر ابتداء محذوف كأنها قالت: وهو لليتامى أب. ومعنى (ينبتون ببابه) يروى (فناءه)، وانتصابه على أنه أخرجه الى باب الظروف، كما فعل ذلك بمقعد القابلة، ومناط تاثريا وما أشبههما. والمعنى أنهم يتربون في فنائه ويتنعمون، تري فراخ الطير بمكان كثير العشب والكلأ. ويقال: أكلأ الموضع، اذا صار ذا كلإ وعشب. والمعشاب: الكثير العشب.
وقوله (فكه الى جنب الخوان) فالفكه: الكثير المزاح واللعب، تأنيساً للضيف وبسطاً منه، كما قال الآخر:
أحدثه إن الحديث من القرى
وقوله (اذا غدت) ظرف للفكه. يريد: يفاكه الضيف عند الأكل بملح الكلام، كي يستأنس ويتسع الوقت له فيستوفى. والى من قوله (إلى جنب الخوان) تعلق بفعل مضمر دل عليه فكه، كانه مع قرب الخوان يفكه. و (اذا غدت نكباء) يريد البرد وهبوب الريح الباردة المزعزعة للبيوت، القالعة لأوتادها وحبالها. وأطناب البيوت: حبالها. ومنه إطنابة الحزم والقسى. والجميع الأطانيب.
قال:
يركضن قد قلقت عقد الأطانيب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع