من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عمرو بن حكيم
خليلي أمسى حب خرفاء عامديففي القلب منه وقرة وصدوع
ولو جاورتنا العام خرقاء لم نبلعلى جدبنا ألا يصوب ربيع
جعل أمسى لاتصال الوقت. وخرقاء: اسم امرأة. وقوله عامدي: ممرضى، يقال: أي شيء يعمدك، أي يوجعك. والوفرة: الهزمة والأثر. يقال: وقر الشيء، إذا جعل فيه وقرأت. قال الهذلي:
فوقر بز ما هنالك ضائع
يعني بالبز سيفا.
يقول: يا خليلي، إن حب خرقاء أمسى يقدح في قلبي، فقد صار فيه من أجله صدوع، وآثار وشقوق، ولو اتفق في هذا العام معها اجتماع لم نبال وإن أجدينا ألا
يقع مطر؛ إذ كان التبرك بها، والاستسعاد الشامل بمكانها، يقوم مقام كل خصب. وقوله لم نبل جزمه مرتين لأنه كان نبالي، فدخل الجازم عليه فحذف له الياء فصار لم نبال، ثم أسكن اللام بعد أن طلب تخفيفه لكثرته في الكلام، فالتقى ساكنان: الألف واللام، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار لم نبل، ومثل هذا لا ينقاس. وقوله على جدبنا في موضع الحال، تقديره مجدبين. ويقال: صاب المطر يصوب، إذا وقع. والربيع: المطر. ويقال: ما باليت بكذا وكذا وبالية. أي لم نبال بأن تنقطع الأمطار على ما بنا من جدب.
وقال آخر:
ألما على الدار التي لو وجدتهابها أهلها ما كان وحشاً مقيلها
وإن لم يكن إلا معرج ساعةقليلاً فإنى نافع لي قليلها
يامر صاحبيه بزيارة دار حبيبه، ولو كان ساعة. وخصص الدار بقوله التي لو وجدتها بها أهلها، والمعنى التي لو وجدتها مأهولة ما كان موضعها وحشاً، أي خالياً موحشاً، لكثرة أهلها وكثرة غواشي النعم فيها. وفي الحديث. أن قريشاً قالوا للنبي ﷺ: إنا لأكرم مقاماً وأحسن مقيلاً، أي موضعاً، فأنزل الله ﷿: " أصحاب الجنة " - يعني النبي ﵇ وأصحابه - " يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ". ويقال: بات فلان وحشاً، أي خالي البطن؛ وتوحش للدواء. وقوله وإن لم يكن إلا معرج ساعة، يريد إلا تعريج ساعة، وعطف ساعة. ولم يرض بأن أضاف المعرج إلى الساعة حتى وصفه بقوله قليلاً، وهذا على هذا التقدير يكون من الصفات المؤكدة، لا المفيدة، كما يجيء الحال كذلك. ولا يمتنع أن يريد تعريجاً قليلاً في ساعة، فيكون الصفة مفيدة. وقوله فإني نافع لي قليها، يجوز أن يرتفع قليلها بنافع، ونافع خبر إن، كأنه قال: فإنى ينفعني قليها. ويجوز أن يكون قليلها مبتدأ ونافع خبر له مقدم عليه، والجملة في موضع خبر إن، والتقدير إنى قليلها نافع لي، وانتصب معرج على أنه خبر لم يكن، أراد: وإن لم يكن الإلمام إلا معرج ساعة.
وقال آخر:
ماذا عليك إذا خبرتني دنفاًرهن المنية يوماص أن تعودينا
أوتجعلي نطفة في القعب باردةوتغمسي فاك فيها ثم تسقينا
قوله دنفاً أي مشرقاً على الهلاك، وانتصابع على أنه مفعول ثالث الخبر. وقوله ماذا عليك لفظه استفهام ومعناه تقريع وبعث. وانتصب رهن المنية لأنه صفة لدنفا، ومعناه في ضمن المنية وملكتها، وكالرهن عندها، إن شاءت أغلقته، وإن شاءت فكته. والمراد: أي شيء عليك من أن تعودينا، إذا أخبرتني عليلاً. فقوله عليك يقتضى فعلاً، وذلك الفعل يعمل في أن تعودينا، وقد حذف حرف الجر منه، أي لا عار عليك ولا ضرر من عيادتنا، ولا من مداواتنا بماء هذه صفته، فهلا فعلت. وقوله يوماً ظرف لخبرتني. وقد تقدم القول في ماذا في مواضع.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع