من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عبد الله بن أوفى الخزاعي
نكحت ابنة المنتضى نكحةًعلى الكره ضرت ولم تنفع
ولم تغن من فاقة معدماًولم تجد خيراً ولم تجمع
منجذةً مثل كلب الهراشإذا هجع الناس لم تهجع
مفرقة بين جيرانهاوما تستطع بينهم تقطع
بقول رأيت لما لاترىوقيل سمعت ولم تسمع
قوله " على الكره " في موضع الحال من نكحت. وقوله " ضرت " من صفة نكحةً، وكذلك ما في البيت الثاني من الجمل كل في موضع الصفة لها. فيقول: نكحت هذه المرأة مكرهاً نكحةً ضارةً غير نافعة في شيء من الوجوه، فما أغنت من عدم عديما، ولا أنالت خيراً، ولا جمعت شملاً. وحذف مفعول " ولم تجمع "، لأن المراد مفهوم.
وقوله " منجذة " من الناجذ، وهوضرس الحلم. والنواجذ: أربعة أضراس، وقال بعضهم: هي الضواحك، محتجاً بحديث النبي ﷺ " أنه ضحك حتى بدت نواجذه ". ويقال: نجذ فلاناً الخطوب، إذا أحكمته. وقال: " ونجذني مداورة الشؤون " فيقول: إنها قد جربت ومل منها وملت. وقوله مثل كلب الهراش يعني في خلقها وخلقها. ومعنى إذا هجع الناس لم تهجع، يصفها بأنها تمشي بالنمائم. ولذلك قال الآخر:
قوم إذا دمس الظلام عليهمحدجوا قنافذ بالنميمة تمرع
لأن القنفذ لاينام بالليل. فيقول: هي بوشايتها تفرق بين الخلطاء، وتقطع الوصل والأواصر بينهم. ولك أن تنصب منجذة ومفرقة على الحال، ولك أن ترفعهما على الاستئناف. وقوله وما تستطع شرط وجزاء، والمفعول محذوف، فهو كقولك: ما تطق تفعل. فأما قوله: يقول رأيت وقيل سمعت، فالباء تتعلق بقوله تقطع. والمعنى أنها تباهت وتكابر، وتتزيد في القول وتجاهر، فتدعي مشاهدة ما لاتشاهده، وسماع ما لاتدركه. وهذا زائد على ما قاله الآخر حين نفى هذه الطريقة، وهو:
وليست من اللائي يكون حديثهاأمام بيوت الحي إن وإنما
ورواه بعضهم:
تقول رأيت لما لاترىوقالت سمعت ولم تسمع
والذي رويناه أحسن تلاؤماً وأقرب.
فإن تشرب الزق لايروهاوإن تاكل الشاة لاتشبع
وليست بتاركة محرماًولو حف بالاسل الشرع
ولو صعدت في ذرى شاهقتزل بها العصم لم تصرع
فبئست قعاد الفتى وحدهاوبئست موقية الأربع
محرماً، أي حراماً. والحرمة: ما لايحل انتهاكه، وكذلك المحارم. وفي المثل لابقينا للحمية بعد الحرام أي عند الحرمة. وهو ذو محرم وحرمة في القرابة. والشرع: جمع شارع، ويقال: أشرعت الرمح قبله فشرع. وصفها بالنميمة وشدة الحرص على تناول المحرم ولو انتزعته من بين الأسنة. ثم وصفها بالتجليح، وحسن التنقيح، والحذق في التوصل إلى الممنوع، ولو احتاجت إلى أن تترقى في مصاعد الجبال، ومدارج الهضاب المعجزة للعصم.
وقوله فبءست قعاد الفتى وحدها انتصب قعاد وموفية على التمييز، لأنه وإن كان معرفةً في اللفظ، فلا اختصاص فيه. ويروي بالرفع في الموضعين. فإذا نصبت
فهو كقولك: بئست ربة البيت هند. وإذا رفعت فهو كقولك: بئست دار الكافر النار. وفي القرآن: " ولنعم دار المتقين ". والمذمومة بئست في الوجهين محذوفة. وانتصب وحدها على المصدر. فيقول: هي مذمومة في النساء تفردت أو اجتمعت مع ثلاث أخر. والقعاد والقعيدة واحدة، ويقال: ليست له قعيدة تقعده، أي امرأة تعزبه، أي تزيل عزبته. وحكى أن الأصمعي ألقى على أصحابه يوماً هذا البيت، وهو:
واحدة أعضلكم شأنهافكيف لو قمت على أربع
أربع يعنى النساء.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع