تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أبو الأسدفي الحسن بن رجاء

فلأنظرن إلى الجبال وأهلهاوإلى منابرها بطرف أخزر
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
ما زلت تركب كل شيء قائمحتى اجترأت على ركوب المنبر
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة

قوله بطرف أخزر تعلق الباء منه بقوله فلأنظرن، والمراد بنظر يميل إلى ناحية، أي نظر بغض وشنآن، لكونه متولياً لها والمعنى: هانت في عيني وصغر قدرها عندي، فصرت أتكرهها، وأبغض أهلها وكروها، ومواضع الدعوة منها، مذ صرت أميرها ومدبرها.

وقوله ما زلت تركب معناه ظاهر.

وقال آخر:

عجبت من السارين والريح قرةإلى ضوء نار بين فردة والرحى
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»
إلى ضوء نار شتوي القد أهلهاوقد يكرم الأضياف والقد يشتوي
فلما أتونا فاشتكينا إليهمبكوا وكلا الحيين مما به بكى
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»
بكى معوز من أيلاموطارقيشد من الجوع الإزار على الحشا

يقول: تعجبت من العصبة التي سرت ليلاً إلى ضوء نار أوقدت في مكان يتوسط فردة والرحى؛ وهما موضعان. والرواية المستقيمة على كل وجه: بين فردة فالرحى وهذا هو ما كان الأصمعي ينكره في بيت امرىء القيس، وهو:

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

وقد مر القول فيه وفي أشباهه، وفي حكم بين ومقتضاه أن الاسم الذي يليه يجب أن يكون كاسم الجمع في تناوله أكثر من واحد، حتى يصح ترتيب الفاء عليه في العطف.

وقوله والريح قرة أي تهب شمالاً ببرد شديد. والواو منه واو الحال.

وقوله إلى ضوء نار شتوي القد أهلها، أبدل إلى ضوء نار مما في البيت الأول بإعادة حرف الجر معه. ويعني ناراً لقوم مضرورين مجهودين لا خير عندهم، ولا طعام بفنائهم، مضطرين إلى شي القد، لأنهم أعوزهم ما هو خير منه. فتعجب وقد استضافهم هؤلاء السارون، ثم قال: وقد يكرم الأضياف مع مجاهدة الفقر، ومزاولة الضر، إذا كان المضيف لطيف الحيلة، رفيع الهمة.

ويقال: شويت اللحم واشتويته، فانشوى هو. وحكى سيبويه في بناء المطاوعة اشتوى أيضاً. ومثله نظمت الشيء وانتظمته فانتظم هو. وقوله فلما أتونا يقول: فلما حصلوا عندنا تباثثنا وتباكينا، وكل واحد من الحيين شكا إلى الآخر دهره وأنهى إليه في إضافته أمره.

وقوله بكى معوز، هذا بيان وجه العلة في البكاء. يقول: بكى فقير مخافة أن يتهم ولا يصدق ظاهر حاله فيما ينطق به من ضره، وأن تلحق به اللائمة إذا ذكر واجبات ضيفه؛ والضيف الطارق بكى لما مسه من نائبات دهره، ولما يظهر من مساس حاجته، ويقيم به العذر في إلمامه، حتى شد حشاه لخلاء جوفه.

فألطفت عيني هل أرى من سمينةووطنت نفسي للغرامة والقرى
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»
فأبصرتها كوماء ذات عريكةهجاناً من اللائي تمتنعن بالصوى
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»
فأومأت إيماء خفياً لحبترولله عيناً حبتر أيما فتى
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»
وقلت له ألصق بأيبس ساقهافإن يجبر العرقوب لا يرقأ النسا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»

وقوله ألطفت عيني أي نظرت بعيني نظراً لطيفاً، هل أرى في إبل المستضعفين ورواحلهم ناقة سمينة أنحرها لهم، وإذا ردت إبلى إلى باءتها أعوض صاحبها خيراً منها، وأغرم من بعد ذلك له ما ارضيه به. ويقال: ألطفت أخي بكذا، إذا أتحفته بما يعرف به برك ولطفك. وألطفت الأم بالولد، وأم لطيفة، أي أكرمته وبرته.

وقوله أبصرتها كوماء، الكوماء؛ الطويلة السنام الغليظة، وقيل: الكوم: العظم من كل شيء: والعريكة: السنام إذا عركه الجمل. وناقة عروك: لم يكن في سنامها إلا اليسير من الشحم. والهجان: الكريمة. ويقال: ناقة هجان ونوق هجان. وقد مر القول في وقوعه للواحد والجمع على صورة. وقوله تمتعن بالصوى فالصوى: الأعلام والحجارة. أي رعت الحزن والتسهل. ومعنى تمتعن، أي أفمن بها

ويقين حتى استمتعن. ويقال: متع الماء الشجرة، إذا أنشأها. ونخلة ماتعة، أي طويلة.

ويروى:

من سمنيةتدارك فيها ني عامين والصرى

والنى: الشحم. والصرى: حبس الإبل في الرعي، ومنه سمى الماء الذي قد طال إنقاعه في موضع: الصرى: الصرى. ويروى: والصوى، وهو الإحسان إليها إليها والابقاء عليها.

وقوله فأومأت لإيماء خفياً لحبتر فحبتر: اسم ابنه، وإنما رسم له عرقبتها في السر بعد أن اختارها مخافة أن يمتنع صاحبها مما هم به فيها. وقوله عينا حبتر اعتراض. وانتصب أيما فتى على الحال، كأنه أحمده حين حسنت فطنته وتسرع إلى مراده. ويقالك مررت برجل أي رجل، فتجعله صفة للنكرة؛ وبزيد أي رجل، فيصير حالاً للمعرفة. وعلق المدح بعينيه، لأنه بهما أدرك إيماءه. وإذا عظموا الشيء نسبوا ملكه إلى الله ﷿. وقوله ألص بأيبس ساقها الأيبس: ما قل عليه اللحم من الساق وغيرها. والسيف أعمل فيه. وقوله فإن يجبر العرقوب العرقوب: عقب موتر خلف الكعبين فويق العقب من الإنسان، وهو موصل الوظيف والساق من ذوات الأربع. والمعنى: أصب ساقها فإن العرقوب إن أمكن التلافي منه بالجبر والعلاج والشد، فإن نساه لا ينقطع الدم منه، فصاحبها ييئس منها عند ذلك. والمعنى: اضربها ضربة ليس في البرء منها مطمع، ليرضي صاحبها بالتعويض منها، ويستقيم أمر الضيف والضيافة، وإن لحقنا غرم فيها.

فأعجبني من حبتر إن حبتراًمضى غير منكوب ومنصله انتضى
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»
كأني وقد أشبعتهم من سنامهاجلوت غطاء عن فؤادي فانجلى
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»
فبتنا وباتت قدرنا ذات هزةلنا قبل ما فيها شوء ومصطلى
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»

قوله غير منكوب أي غير مدفوع في صدره. ويقال: حافر منكوب ونكيب، إذا أثر فيه ما يطؤه من حصى أو حجر. وقوله ومنصله انتضى أي جرد سيفه. وانتصب منصله لأنه مفعول مقدم. وقوله جلوت غطاء، يقول: كنت مهتماً قلقاً،

فلما شبعوا مما أعدت لهم وتمحلت من أجلهم سكنت فكأنه كان على قلبي غطاء من الغم ران عليه، فانجلى وذهب. وقوله فبتنا وباتت قدرنا خبر بتنا وقله لنا قبل ما فيها شواء، وشواء ارتفع بالابتداء. يريد: بتنا لنا قبل ما أودع القدر شواء واصطلاء بالنار، كأنه طال عليهم انتظار القدر، فعمد إلى أطاليب الجزور وشوى. وقوله ذات هزة خبر بانت قدرنا، أي لها هزيز بالغليان. ويجوز أن يريد: لقدر اللحم فيها اهتزاز واضطراب، كما قال:

قرشية يهتز موكبها

وهذا الذي اقتصه من حاله وحالهم، بيان اهتمامه بأمر الضيف وحسن التأني في تفقده.

وأصبح راعينا بريمة عندنابستين أنقتها الأخلة والخلا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»
فقلت لرب الناب خذها ثنيةوناب علينا مثل نابك في الحيا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «عجبت من السارين والريح قرة»

يقول: أصبحنا وراعينا بريمة رد إبلنا من مرعاها، وهي ستون قد أنقتها - أي جعل لها نقياً - الأخلة، وهي جمع خلال، وهو مااختل واجتز من العشب وهو أخضر. والخلا: الرطب. وقال بعض أصحاب المعاني: لا يقال أنقت الناقة، إذ سمنت؛ ولكن لما سمن من الحشيش، وكان الحشيش والخلا سبب سمنها جعل الفعل لها على سعة الكلام، والأصل أنقت هي. قال:

لا يشتكين ألماً ما أنقينما دام مخ في سلامي أو عين

وقال غيره: يجوز أن يكون أنقى هاهنا معدى، ويكون على غير ما فسرتموه، وهو أنه يقال: أنقيته فأنقي، كما يقال: أمأيت الدراهم فأمأت هي. والمعنى سمنته وجعلت له نقياً فسمن واحتمل. قال البرقي: الرواية الصحيحة عندي: أبقتها الأخلة، أي أبقتها على البرد والجدب، لأنا كنناها وخلينا لها. ورواه بعضهم: الأجلة بالجيم. قال: ويقال: جل وجلال وأجلة، أي لم ندعها ولم نهملها، بل ألبسناها وتفقدناها.

وقوله وقلت لرب الناب خذها ثنية، أي حكمت صاحب النب التي عقرتها في أن يختار من إبلى ثنية على ما يشتهيه، وتصطفيه عينه وتنتقيه، وقلت مضيفاً إلى العوض الواجب له: لك علينا ناب مثل نابك في السمن. والحيا من باب ما سمي باسم غيره إذ كان منه بسبب. فالحيا: المطر، لأنه يحيي العباد والبلاد، ثم يسمى النبت حيا لأنه بالمطر يكون، ويسمى الشحم حياً لأنه عن النبت يكون. وهذا الباب كثير واسع.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الهجاء: قال موسى بن جابر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.