من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال جواس الكلبي من بني عدي بن جناب
ضربنا لكم عن منبر الملك أهلهبجيرون إذ لا تستطيعون منبراً
وأيام صدق كلها قد علمتمنصرنا ويوم المرج نصراً مؤزراً
فلا تكفروا حسنى مضت من بلائناولا تمنحونا بعد لين تجبرا
يخاطب إذ لا تستطيعون منبرا، أي ارتقاء منبر وصعوده، فحذف المضاف. والمراد: إنا نصرناكم في طلب أمر كان لغسيركم لا لكم بجيرون، حين لا تقدرون على صعود منبر، ولا تستقيم لكم قناة ملك ونصرنا أيضاً يوم مرج راهط، وأياماً أخر قبله وبعده، صادقناكم فيها ونصرناكم نصراً قوياً، فلا تجحدوا نعمنا فيها، فكفران النعم ذميم، ولا تتكبروا علينا بعد ملاينتكم لنا، فإن التكبر منكم عظيم. وقوله حسنى مضت مصدر في معنى الإحسان، وليست بتأنيث الأحسن، لأن تلك تلزمه الألف واللام.
فكم من أمير قبل مروان وابنهكشفنا غطاء الغم عنه فأبصرا
ومستسلم نفسن عنه وقد بدتنواجذه حتى أهل وكبرا
إذا افتخر القيسى فاذكر بلاءهبزراعة الضحاك شرقي جوبرا
فما كان في قيس من ابن حفيظةيعد ولكن كلهم نهب أشقرا
قوله كم من أمير أراد به معاوية وأشياعه. أي ذببنا دونه وأزلنا كا كان تراكم عليه من رواكد الظلم حتى أبصر رشده، وعادت إليه بصيرته، بعد أن كان تحير في أمره، والتبس عليه ما يتنقل فيه، فلا يعرف ما عليه مما له.
وقوله ومستسلم عطفه على من أمير، والضمير في نفسن للخيل ولم يجر لها ذكر، ولكن عرف منه المراد. يريد: وكم من منقاد لما دهمه، مستسلم للشر المفاجيء له والمحيط به، نفست خيلنا عنه بعد أن يبس ريقه، وتقلصت شفتاه فظهرت نواجذه، لما مني به من شدة البلاء، وجهد البأساء، حتى أهل، أي رفع بالحمد لله صوته، وأظهر شكره، وعظمه وكبره لما أعقب من الأمن عقيب الخوف، والسلامة بعد الهلك. ويروى: كشفناغطاء الموت. ويروى: ومستلحم نفست عنه وقد بدت مقاتله والمعنى فيهما ظاهر. وقوله إذا افتخر القيس فاذكر بلاءه، يعيرهم ما كان منهم من التقصير والقصور في ذلك الموضع. وأخرج الكلام مخرج الهزء، لأنهم قصروا ولم يبلغوا؛ لذلك قال: اذكر بلاءه. والزراعات: مواضع الزرع، كالملاحات. والزريع: العثرى الذي يسقى من السماء، فكل ناعم زريع تشبيهاً به. وجوبر: نهر. وانتصب شرقي على الظرف، يعني ما ولى المشرق منه. والضحاك كان على شرطة معاوية، ثم صار مع ابن الزبير بعد موت يزيد.
وفي جملة هذه الأبيات:
فلو كنت من قيس بن عيلان لم أجدفخاراً ولم أعدل بأن اتنصرا
يقبح صورتهم كما ترى.
وقوله: فما كان في قيس من ابن كريهة يعد ويروى: فما كان في قيس بن عيلان سيد يعد، ويعني بنهب أشقر فرس طفيل بن مالك، وكان فراراً. يقول: كأنما انتهبهم طفيل في ذلك اليوم. وكان اسم فرس طفيل قرزلاً، لذلك قال الآخر يصف قوماً منهزمين:
يعدو بهم قرزل ويستمع الناس إليهم وتخفق اللم
جعل فرس كل منهم كقرزل لما هربوا.
وقال جواس الكلبي أيضاً:
أعيد المليك ما شكرت بلاءنافكل في رخاء الأمن ما أنت آكل
بجابية الجولان لولا ابن بحدلهلكت ولم ينطق لقومك قائل
يعاتب عبد الملك بن مروان، وذلك أنه لما قتل ابن الزبير وسكنت الحرب وصفا له الأمر: أقبل يتألف قيساً وهو اعداؤه، ويوحش بني كلب على أعماله، وجعل أبدالهم من قيس، فقال جواس: يا عبد الملك، ما حمدت بلاءنا في نصرتك، ولا قابلت انقطاعنا إليك وسعينا ببعص ما وجب لنا عليك، فكل من دنياك في سعه الأمن وظل الهدو ما أنت آكله، لا مدافع لك ولا معترض عليك، فلولا ابن يحدل وقيامه بأمرك بجابية الجولان لهلكت ولم ينطق لقومك قائل، أي لم يكن فيهم خليفة يخطب على منبر فيدعو ويدعي له. وتعلق قوله بجابية الجولان بقوله ما شكرت بلاءنا. وهلكت جواب لولا، وخبر المبتدأ محذوف، وقد مر أمثاله.
فلما علوت الشأم في رأس باذخمن العز لا يسطيعه المتناول
نفحت لنا سجل العداوة معرضاًكأنك مما يحدث الدهر جاهل
يقول: فلما ملكت المطلوب وأدركت المأمول، واستويت على الشأم في عز باذخ وجد صاعد، لا يقدر على تناول مثله أحد بأمل أوهمة، اطرحتنا وأعرضت عنا، معطياً سجل العداوة لنا، كأنك جاهل بالدهر وفعلاته، وحوادثه وملماته. ومن روى: كأنك مما يحدث الدهر، يريد كأنك مماا أحدثه الدهر لك من الرياسة جاهل. أي اغتررت فكأنك استحدثت جهالة. ويروى: كأنك عما يحدث الدهر غافل فجاهل يجري مجرى غافل. وهذا يجري مجرى الوعيد. أي لا تأمن غير الأيام ومعاودتك ما يحتم عليك بالفقر إلينا ثانياً.
وفي هذه الطريقة ما أنشدته لمحمد بن غالب:
فتى مسمع أنت من مسمعبحيث السويداء والناظران
ملكت فأسجح وزع بالزماموخف ما يدور به الدائران
وكنت إذا أشرفت في رأس رامةتضاءلت إن الخائف المتضائل
فلو طاوعوني يوم بطنان أسلمتلقيس فروج منكم ومفاتل
رامة: هضبة. يذكره ضيق أقطار الأرض عليه، فيقول: إنك حينئذ مت أشرفت في رأس هذه الهضبة تخاشعت وتذللت، لاستشعارك الخوف الشديد، واستظهارك بالاتقاء من أعدائك البليغ. والخائف هذا دأبه وعادته. على أنهم - يعني أصحابه - لو طاوعوني في هذا اليوم وقبلوا نصحي، وعملوا برأي، لأسلمت لقيس فروجكم، وهي مواضع المخافة، ومقاتلكم. والمعنى: كنا نخذلكم ونسلمكم حت يتمكن القتل منكم، وتعلو سمة الذل على أحوالكم. وإنما قال هذا لأن القيسية كانت تدعو إلى ابن الزبير، وكلب تدعو إلى المروائية، وكان الناس يومئذ إنما يعرفون بالبحدلية أصحاب مروان، والزبيرية، وهم أنصار ابن الزبير. لذلك قال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان:
وما الناس إلا بحدلي على الهدىوإلا وبيري عصى فتزبرا
وقال جواس أيضاً:
صبغت أمية بالدماء رماحناوطوت أمية دوننا دنياها
أأمي رب كتيبة مجهولةصيد الكماة عليكم دعواها
كنا ولاة طعانها وضرابهاحتى تجلت عنكم غماها
يقول: استنصرنا أمية ودافع الأعداء بنا، وعرضنا للقتل والقتال، والضراب والطعان، حتى رويت قناتنا من دماء مجاذبيهم، والمتكرهين لأيامهم ومقاصدها، استبدوا بطي الدنيا وزيها، والفوز بها وبأعراضها من دوننا. ثم أخذ يخاطبها فقال: يا أمية، رب كتيبة مجهولة الشان، لم ندر كيف يدفع في وجهها. ولا من أين يصرف شرها، متكبرى الأبطال، بهم الشجعان، دعواها عليكم لا لكم، ودفاعها فيكم لا عنكم، تولينا مطاعنتها ومكافحتا، وافترضنا على أنفسنا دفعها. ويجوز أن يكون المراد بقوله مجهولة أنا لا نعرفها، ولا مجاذبة بيننا وبينهم ولا معاملة، فهي مجهولة لنا، اتخذنا كالأعداء لنا في هواكم ونصرتكم. أما قوله صيد الكماة فإنما جمع فقال صيداً، حملاً على معنى الكتيبة، ولو حمل على اللفظ لقال: رب كتيبة صيداء الكماة. والصيد يستعمل على وجهين: يقال: ملك أصيد، أي متكبر لا يلتفت إلى الناس يميناً ولا شمالاً. وحكى الخليل أن الصيد ذباب يدخل في أذن البعير فيقلق له،
فيظل رافعاً رأسه. فشبه الملك ذو الزهو به. فهذا وجه. والوجه الآخر: أن يراد بالأصيد الذي لا يستطيع الالتفات من دائه. وقوله حتى تجلت عنكم غماها، هم من أمرهم في غماه، أي في شدة والتباس شديد عليهم. ومعنى حتى: إلى أن. والولاة: جمع الوالي، وهو المتولي للشيء والفاعل له. ولا يمتنع أن يريد به الملاك، كأنهم ملكوا تدبير الحي فصاروا كالولاة لها وفيها.
والله يجزي لا أمية سعيناوعلى شددنا بالرماح عراها
جئتم من الحجر البعيد نياطهوالشأم تنكر كهلها وفتاها
إذ أقبلت قيس كأن عيونهاحدق الكلاب وأظهرت سماها
يقول: الآن وقد جحدت أمية نعمتنا عندها، وبعدت عن الصلاح بكفرانها، فإن الاعتماد على الله تعالى جده في أن يتولى جزاء سعينا، ويعرف لنا ما أنكرته أمية من بلائنا، وعلى معال أحمكنا وثائقها، وشددنا عقدها وعلائقها، فتوجب لنا من إثابة الله ﷿ ما يكون فيه عوض من كل فائت. وقوله جئتم من الحجر أراد بالحجر الجنس. والمراد: جئتم من المكان الكثير الحجر، ومن بلاد الحجر، يعني الجاز. ومعنى البعيد نياطه البعيد معلقه. ويقال: نطت الشيء أنوطه نياطاً ونوطاً، إذا علقته. وروى بعضهم: من الحجر، بالزاء، وقال: يريد الحجاز. فهذا كما قيل في تهامة: التهم. قال:
نظرت والعين مبينة التهم
والحاجز والحجاز والحجز، واحد. قال: وسمى الحجاز حجازاً، لأنه يفصل بين الغور والشام وبين البادية. وقوله والشأم تنكر كهلها وفتاها، أي لم يكونوا من اهلها فاستغربتهم. وهذا كما قال في المقطوعة الأولى: رب كتيبة مجهولة.
وقوله إذا أقبلت قيس، إذ ظرف جئتم من الحجر، أي جئتم وقت إقبال قيس. ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله تنكر كهلها أي تنكر في ذلك الوقت. ويروى: وتزبرت قيس كأن عيونها، أي صار هواها زييرياً. وقوله كلأن عيونها حدق الكلاب وأظهرت سيماها قصده إلى الذم وإلى أن نظرهم نظر الكلاب، لكنه جرد التشبيه أولاً، ثم قال: وأظهرت سيماها أي أظهرت سيما الكلاب في إقبالها، فترك لفظ التشبيه، وصار كأنه يخبر عن حقيقة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع