من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال حريث بن عناب (٤)
قولا لصخرة إذ جد الهجاء بهاعوجى علينا يحييك ابن عناب
هلا نهيتم عويجاً من مقاذعتيعبد المقذ دعيا غير صياب
مستحقين سليمى أم منتشروابن المكفف ردفاً وابن خباب
قوله يحييك، يجوز أن يكون في موضع الحال، أي عوجي محيياً لك هذا، ومثله: " فهب لي من لدنك وليا. يرثني وبرث " أي وارثاً. ويجوز أن يكون في موضع الجزم جواباً لقوله عوجى، وأجرى المعتل مجرى الصحيح. ومثله:
ألم يأتيك والأنباء تنميبما لاقت لبون بن زياد
وهذا الكلام تهكم وسخرية. وإنما يخاطب صاحبين له يبعثهما على أن يبلغا بني صخرة ويبعثاها وقت تهيجها بالهجاء وكون تصرفهم فيه جداً منهم وهماً لهم على أن يعطفوا عليهم، ليسلم عليهم ابن عناب، يعني نفسه. وذكر التحية هاهنا عزء منه. وهذا كما قال الأخر:
تحية بينهم ضرب وجيع
إلا أن هذا في الأفعال، وابن عناب جعلها في الأفوال.
وقوله هلا نهيتم تقريع ولوم وتذكير بسوء تأتيهم، وقبح فعلهم. فيقول: هلا كففتم عن مفاحشتي عويجاً - وهو رجل منهم - وجعله عبد المقذ، أي لئيملاً ودعياً فيهم غير خالص النسب. المقاذعة: المفاحشة. ويقال: أقذع الرجل، إذا أتى بفحش. وانتصاب عبد المقذ يجوز أن يكون على البدل، ويجوز أن يكون على الذم، ويجوز أن يكون على الحال. والمقذ؛ منبت الشعر من مقدم الرأس ومؤخره. ويقال: فلان عبد القفا، وعبد المقذ، ويراد بالمقذ القفا. وهذا كما يقال في ضده:
هو حر الوجه، وكريم المحيا. والصياب: الخالص، كأنه يهجنه. وقال الخليل: الصياب والصيابة: أصل كل قوم. وقال أيضاً: الصياب: الخيار من كل شيء. وأنشد:
يحتل من كندة في الصياب
وقوله مستحقبين سلينى، أفحش فيه؛ أي جئتم لمهاجاتي وقد استحقبتم هذه المرأة وابن المكفف معها ردفاً وابن خباب. كأنه يرمي سليمى بهمات أو يعدهم جميعاً من مخازيه. فهذا هزء أيضاً. أي جازيتموني بمن هو شينكم، وجعلتم عيوبكم بمرأى ومسمع إذا كان غيركم يخفي أمره ويستره. يريد: استهدفتم لي بهؤلاء. وسليمى كانت لها قصة. والاستحقاب: شد الحقيبة من خلف، وكذلك الاحتقاب: وكنى عن العجز بالحقيبة لذلك.
يا شر قوم بني حصن مهاجرةومن تعرب منهم شر أعراب
لا يرتجى الجار خيراً في بيوتهمولا محالة من شتم وألقاب
ينسبهم إلى أنهم شر قوم هاجروا إلى الأمصار أو بقوا في البدو. وبني حصن يجوز أن يكون انتصب على النداء، كأنه قال: يا شر قوم يا بني حصن. وانتصب مهاجرة على الحال، ناداهم في هذه الحالة. أي أنتم شر قوم في مهاجرتكم. ومثله:
يا بوس للجهل ضراراً لأقوام
ويؤنس بوقوع الحال بعد النداء قولهم: يا زيد دعاء حقا. فإذا ساغ أن يقع المصدر بعده تأكيداً، فكذلك الحال. قوله ومن تعرب فيه معنى التكلف، لأن تفعل يجيء لذلك كثيراً. وصرف الكلام عن السنن الأول وجعله استئناف خبر. ويجوز أن يكون انتصب بني حصن على الذم والاختصاص. وقوله لا يرتجى الجار يريد أن جارهم مبتذل فيهم، يائس من خيرهم ما دام معهم، وملقى من جهتهم بالاستخفاف والتلقيب، والشتم القبيح. وأجرى قوله لا
محالة مجرى قولهم لابد، كأنه أراد: الجار لا يرجو خيراً فيهم، ولا بد له من شتم يقصد به، ولقب يعرف بذكره. وقال الخليل: يقولون في موضع لابد: لا محالة. ويقال: حال حولاً وحيلة، أي احتال.
وقال آخر:
بني أسد إلا تنحوا تطأكممناسم حتى تحطموا وحوافر
وميعاد قوم إن أرادوا لقاءنامياه تحامتها تميم وعامر
وما نام مياح البطاح ومنعجولا الرس إلا وهو عجلان ساهر
يقول: يا بني أسد، خلوا الطريق وتباعدوا عنها، فإنكم إن لم تفعلوا ذلك وطئتكم الإبل والخيل فحطمتكم. ينسبهم إلى القلة والضعف، ويتهكم مع ذلك بهم. وقوله: وميعاد قوم يعني بني أسد وأنصارهم، والميعاد والوعد واحد، وإذا كان كذلك كان المعنى: وموضع الوعد لم أراد الالتقاء معنا مياه تتحاماها بنو تميم وبنو عامر - يعني أحميتهم - فلا تجسر على ورودها وإن كثروا. فحذف المضاف، وهو الموضع. وقوله وما نام مياح البطاح ومنعج والرس موارد الماء. والرس: البئر القديمة. جعل المستقي من هذه الآبار يميح. وأراد بمياح الكثرة؛ لأن لكل موضع من المواضع المذكورة ماحة. والميح: الدخول إلى أسفل البئر ليغرف الماء في الدلاء إذا قل الماء. والميح: الاستقاء، يريد: متحوا أولاً ثم ملحوا، لكثرة الواردة. وغنما وصف سكان هذه المواضع - وهو جيشهم - بوفور العدد، وأن سقاتهم بهذه الصفة من العجلة والسهر. وقوله: وما نام إلا وهو عجلان ساهر، يريد: نومهم ترك النوم، والاستعجال في السقي. وهذا كما قال الآخر:
فإن المندى رحلة فركوب
وكقول أبي تمام:
تعليقها الإسراج والإلجام
تضلءلتم منا كما ضم شخصهأمام البيوت الخارىء المتقاصر
ترى الجون ذا الشمراخ والورد يبتغيليالي عشراً وسطنا وهو عائر
قوله تضاءلتم أن تصاغرتم منا وانزويتم، لفشلكم وذهاب منتكم، كما يفعله المتغوط أمام البيوت إذا استولى عليه الخجل لما يريده من قضاء الحاجة، فهو يتقاصر ويخفي شخصه لائلا يرى. وهذا التشبيه في المنخزل وقد مسه الحياء والخجل غاية.
وقوله ترى الجون ذا الشمراخ يريد به ذا الغرة السائلة على النف، والشمراخ من الجبل: المستدق الطويل، على التشبيه. والعائر: المختلف، والسهم العائر من هذا. يقول: إنا لكثرتنا واتساع منادحنا وأفطارنا، لو أفلت فينا فرس أدهم ذو غرة سائلة - وجعله كذلك ليكون أشهر أمراً وأقل خفاء - وفرس ورد أغر أيضاً، ثم طلب عشر ليال فيما بيننا لما ظفر به.
ولما رأينا لئاماً أدقةوليس لكم مولى من الناس ناصر
ضمناكم من غير فقر إليكمكما ضمت الساق الكسير الجبائر
وصف حالهم القديمة معهم، وكيفية اتصالهم بهم وانعطافهم عليهم حتى أبطرهم ذلك، فاستعصوا عليهم، ووسوست نفوسهم إليهم بالاستغناء عنهم، والاكتفاء من دونهم. فيقول: لما رأيناكم أدنياء في أنفسكم، أدقاء في أحوالكم لا ناصر لكم، ولا مدافع دونكم، تعطفنا عليكم لنرفع خسيستكم، رحمة لكم، وضمناكم إلى أنفسنا من غير حاجة إليكم ولا تكثر بكم، لنجبر كسركم، ونوفر نقصكم كما تضم العصائب التي يعصب بها الكسر، والجبائر التي يسوى بها العظم الكسير المجبور. وهذا من التشبيه الصائب، والكلام المتخير. والأدقة: جمع الدقيق، وهو الرجل
القليل الخير. والفعل دق دقة. وقال: الكسير، والساق مؤنثة لأنه فعيل في معنى مفعولة. وعند أصحابنا البصريين هذا لا ينقاس، بل يتبع فيه المحكى عنهم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع