تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال جابر

أجدوا النعال بأقدامكمأجدوا فويها لكم جرول
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «فهذا لهذا ولما رأيت»
وأبلغ سلامان إن جئتهافلا يك شبهاً لها المغزل
للشاعر أبو الحكيم المري، من قصيدة «أجدوا النعال لأقدامكم»
يكسى الأنام ويعرى استهوينسل من خلعه الأسفل
للشاعر أبو الحكيم المري، من قصيدة «أجدوا النعال لأقدامكم»

يقول: استجدوا النعال لأقدامكم، أو في أقدامكم استجدوها يا جرول، ويهاً لكم. وإنما كرر الأمر تأكيداً للقول عليهم. ويقال في الدعاء: أبل وأجدد. وويهاً: اسم من أسماء الأفعال يعرى به، ولا يحىء إلا منوناً، وذاك علامة لتنكيره. وإنما قلنا هذا لأن في أسماء الأفعال ما ينكر ويعرف. ومنه ما لا يجيء إلا منكوراً. ومثل ويهاً إيهاً، ويستعمل في الكف، وواها وهو للتعجب، وكل ذلك يجيء منونة منكرة. وجرول: اسم رجل. وجعل أول الكلام خطاباً لجماعتهم، ثم خص بالنداء واحداً منهم وحعله المأمور بما أراد. ألا ترى أنه قال: وأبلغ سلامان إن جئتها. وسلامان: قبيلة. ومثل هذا التخصيص قول الهذلي:

أحيا أباكن يا ليلى الأماديح

فقال: أباكن، ثم قال: يا ليلى، وهذا التخصيص مثل التخصيص الذي في قوله تعالى: " حافظواعلى الصوات والصلاة الوسطى "، ومااشبهه. وقوله فلا يك شبهاً لها المغزل، لو قال لكمم لساغ، لأنهم يفتنون في مثل هذا الموضع بين الخطاب والإخبار؛ على هذا قول الله تعالى: " وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله "، قرىء: " لا يعبدون " بالياء والتاء فالتاء للخطاب، والياء للإخبار. والرسالة التي يريد إبلاغها قوله:

فلا يك شبهاً لها المغزل

والمعنى لا يكونن سبيلكم سبيل من يتبع الغير ويضر نفسه، كالمغزل الذي يكسى الخلق ويجعل استه عريان. وهذا مثل. وكما ضرب المثل بالمغزل ضرب أيضاً له بالسراج فقيل:

ولا تكونن ذبالة نصبتتضيء للناس وهي تحترق

فأما قوله وينسل من خلعه الأسفل، فإنه كان يروى: من خلفه وليس يصح له معنى. والمستقيم كما روينا: من خلعه الأسفل. وذاك أن المغزل ينسل أسفله بأن يختلع كبته، وهذا ظاهر. وكأن سلامان كانت تقتحم أهوالاً غنمها يصير لغيرها، وغرمها يكون لها، فلذلك جعل المغزل مثلاً له.

فإن بجيراً وأشياعهكما تبحث الشاة إذ تذأل
للشاعر أبو الحكيم المري، من قصيدة «أجدوا النعال لأقدامكم»
أثارت عن الحتف فاغتالهافمر على حلقها المغول
للشاعر أبو الحكيم المري، من قصيدة «أجدوا النعال لأقدامكم»
وآخر عهد لها مونقغدير وجزع لها مبقل
للشاعر أبو الحكيم المري، من قصيدة «أجدوا النعال لأقدامكم»

قوله كما تبحث الشاة محمول على المعنى، لأن المعنى أن بحث بجير وأشياعه كبحث الشاة في ذألاتها، وهو جنس من عدوها، وذاك لأنه يشبه الحدث بالحدث، والذات بالذات، وإذا كان كذلك فقوله إن بجيراً حذف المضاف منه، لأن القصد تشبيه البحث بالبحث. وفي المثل: حتفها تحمل ضان بأظلافها، وكما

تبحث الشاة عن مديتها ولا تكن كالباحث عن الشفرة، وإنما ينهي بهذا من يجني على نفسه فيما يأتيه، ويسعى في إهلاكه برجله، فيقول: لا يكونن سبيله سبيل الشاة التي كشفت عن المدية، وقد استترت عن الذابح، بظلفها، حتى ذبحت بها. ومعنى أثارت عن الحتف، أثارت عن المدية، ثم كان الحتف فيها. ففيه توسع. وهو يقيمون السبب مقام المسبب كثيراً. واغتال: افتعل من الغول، وهو الهلاك. والمغول: السكين، وقد اشتهرت بها إذا جعلت في وسط السوط فصار كالغلاف لها. وقوله وآخر عهد لها مونق غدير، يعني الشاة بعد إثارتها السكين. وهو إظهارها إياها. فيقول: كان آخر عهدها المعجب لها روضة قد أبقلت، وغديراً امتلأ ماء وكان شبعه وريه منهما، فبطرت وأثارت عن حتفها حتى هلكت. ولك أن تروى مونق بالرفع، فيكون صفة لآخر عهد، ومونق بالجر فيكون للعهد. وجعل الإيناق للعهد لأن المراد بالعهد المعهود، وهو المرعي المعجب. ويجوز أن يجعل المونق من صفة الغدير وقد قدم عليه، وجعل هو بدلاً منه، ويكون التقدير: وآخر عهد لها غدير مونق وجزع مبقل. ويقال: أبقل المكان فهو باقل ومبقل. وأفعل فهو فاعل شاذ ليس بكثير.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الهجاء: قال موسى بن جابر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.