من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال يزيد بن قنانة
لعمري وما عمري على بهينلبئس الفتى المدعو بالليل حاتم
غداة أنى كالثور أحرج فاتقىبجبهته أقتاله وهو قائم
كأن بصحراء المريط نعامةتبادرها جنح الظلام نعائم
أعارنك رجليها وهافي لبهاوقد جردت بيض المتون صوارم
قد مضى الكلام في قوله لعمري. وقوله وما عمري على بهين تحقيق لليمين، وأن عمره ليس يهون عليه فيحلف به كاذباً. وفي الكلام إزراء بالمخبر عنه.
وقوله المدعو بالليل كثير من النحويين يذهبون في مثله إلى أنه بدل لا صفة، لأن نعم وبئس يرفعان من المعارف ما فيه الألف واللام ودل على الجنس؛ وما يدل على الجنس لا يتأتى فيه الوصفية. والصواب عندي تجويز كونه وصفاً، بدلالة أنه يثنى ويجمع، فيقال: نعم الرجلان الزيدان، ونعم الرجال الزيدون، والتثنية والجمع أبعد الأشياء من أسماء الأجناس، إلا إذا اختلفت، فكما يجوز تثنية هذا وجمعه لدخول الأختلاف فيه، كذلك يجب أن يجوز وصفه لمثل هذه العلة، ولا فصل. وإذا كان كذلك كان قوله الدعو بالليل صفة للفتى، كأنه قال: مذموم في الفتيان المدعوين بالليل حاتم. وهذا ظاهر.
وذكر الليل لشدة الهول فيه.
وقوله غداة أتلى كالثور يعني حاتماً، وإنما يهزأ به. ومعنى أحرج: ضيق عليه وأخرج من عادته فأحوج إلى أن يعيث. والأقتال: الأقران والأعداء، والواحد قتل، فيقول متهكماً: جاء كالثور الهائج غضباً وحمية، وقد بان له من طلابه ترك الإبقاء عليه، فجعل بينه وبين أقرانه قرنية يتقيهم بهما، وييعدهم الشر بإعمالهما، فهو ثابت القدم متهيء للقتال. هذا كان حاله في المجيء، فلما جاء وقت الدفاع والمصادمة، والقراع والمكافحة، انهزم فكأن نعامة سابقها حين جنح الظلام نعائم إلى أداحيها، أعارت حاتماً رجليها وطائر قلبها، وهو يعدو مذعوراً، ويطلب النجاء مفلولاً، وقد جردت السيوف من أغمادها، وصار الأمر في الطلب والهرب جداً. وإنما قال أعارتك رجلها لأنه نقل الكلام عن الإخبار إلى الخطاب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع