من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال محرز بن المكعبر الضبي
أبلغ عدياً حيث صار بها النوىوليس لدهر الطالبين فناء
كسالى إذا لاقيتهم غير منطقبلهى به المتبول وهو عناء
أخبر من لاقيت أن قد وفيتمولو شئت قال المنبئون أساءوا
يقول: أد إلى بني عدي رسالتي حيث استقرت بها النوى بأن زمن طلاب الأوتار فيما عليهم من إدراك الثأر قد اتصل وامتد، فليس ينقطع لكسلهم عن السعي في ردء المغار عليه، واستيطائهم مراكب العجز عن نصرته، غير مواعيد خالية من الفعل يقربونها، وأقوال مزخرفة عند الالتقاء يبذلونها، إذا اعتمدها الموتور انصرف بها مغروراً، فكانت عند السامعين لها ضلالاً وبوراً، وعناء للقلوب والجوارح، لا يحلى منه بطائل، ولا يرجع على أحد بعائد. هذا وأنا أحسن أمركم، وأقول لمن يسأل عن أخبارنا وأخباركم: إنهم قد وفوا بالعهد، وأدوا مالزمهم من النصرة بحق الجوار والعقد، لكن للأمور أوقات، وللأقضية آجال وآماد، فينثنى الذم عنكم، وينحط العار دون فنائكم، ولو شئت لقال السائل والسامع: أساؤا حين بدلوا الخفارة بالإخفار، وضيعوا الحقوق بالتقصير والإقصار: وقوله أن قد وفيتم أن فيه مخففة من الثقيلة
واسمه مضمر، وهو ضمير الأمر، والجملة في موضع الخبر. وقوله غير منطق انتصب على أنه استثناء خارج. ويلهى به من لهوت عن كذا ولهيت، ألهو لهواً، وألهى لهيا، إذا انصرفت عنه. والمتبول: المصاب بذحل وتبل.
لهم رثية تعلو صريمة أمرهموللأمر يوماً راحة فقضاء
وإنى لراجيكم على بطء سعيكمكما في بطون الحاملات رجاء
الرثية: الضعف. والصريمة: ما يقطع من العزيمة ويجزم إمضاؤه بعد العقيدة، فيقول مصوراً حالهم في التفريط والإهمال: متى هموا بإنفاذ عزائمهم، وتشديد شكائمهم، وإنجاز ما يتنجز عليهم من مواعدهم، أو يهتمون لرحض درن العار عن شيمهم وأخلاقهم، ولسد طريق العار والتعبيرعن مذاهبهم وأفعالهم، علا همهم وهمتهم وهن وفشل، وملك قيادهم ومقودهم ضعف وكسل. ثم أخذ يتهكم ويهزأ فقال: والمرء في أمره يمضي يوماً ويكف يوماً، فما يجبر كسر التعب إلا التعب ما يتعقبه من الراحة. وقوله فإنى لراجيكم على بطء سعيكم، يريدأنهم على تباطئهم وتأخر فعالهم عن مقالهم مرجوون، كما أن الحاملات على تأخر وضعهن مرجوات، فأنا ناظر في أعقاب الأمل متى يتحقق. وقوله فقضاء أي فقضاء يوماً آخر. وقوله كما في بطون الحاملات رجاء أي أرجوكم مثل ذلك الرجاء.
فهلا سعيتم سعى عصبة مازنوهل كفلائي في الوفاء سواء
لهم أذرع باد نواشر لحمهاوبعض الرجال في الجروب غثاء
كأن دنانيراً على قسماتهموإن كان قد شف الوجوه لقاء
هذا الكلام بعث وتحضيض. وهلا: حرف إغراء وتحضيض. وذكر بني مازن تحريكاً منهم، وليوجعهم بتفضيل غيرهم عليهم. وقوله وهل كفلائي، فالكفيل: الضامن للشيء: وهذا المصراع التفات، كأنه لما هجن فعلهم وقرعهم، وأطرى غيرهم مؤثراً عليهم. التفت إلى من حوله فقال: وهل ضمنائي مستوون في الوفاء
فأجريهم مجرى واحداً. وهذا أبلغ من كل نكير، ومن كل هجو فظيع. وسواء وإن كان في الأصل مصدراً؛ فقد صار هنا كأسماء الفاعلين لنيابته عنها، لذلك صح أن يعمل في الظرف قبله وهو قوله في الوفاء، لأن المصادر لا تعمل فيما قبلها إلا إذا أمر بخا، كقولك: صرباً زيداً، أو إذا أجرى هذا المجرى. وقوله لهم أذرع صفة للعصبة المازنية. وهم يتمدحون بالهزال. والنواشر: عروق ظاهر الذراع. وقوله وبعض الرجال في الحروب غثاء، تعويض بالآخرين، وهم بنو عدى. والغثاء: ما يعلو السيل من الغثر والزبد. والمعنى: بعضهم لاغناء عنده ولا كفاية، كيبيس النبات وقد احتمله الماء.
وقوله كأن دانيراً على قسماتهم، القسمات: الوجوه، وقيل هي مجاري الدموع. ويقال: وجه مقسم، أي حسن، والقسامة: الحسن. ومرجعه إلى القسمة، كأنه مسح كل جزء من الوجه بقسم من الجمال، فتعادلت الأجزاء وحسنت. وقوله وإن كان قد شف الوجوه لقاء تعريض أيضاً، والمعنى أن وجوههم تشرق في الحرب وتضيء، إذا صارت وجوه غيرهم مشفوفة متغيرة. ويقال: شفة المرض، إذا أذابه وهزله. وذكر الدنانير في إثبات ماء الوجه ونضارة الحسن قد جاء في النسيب، ألا ترى قوله:
النشر مسك والوجوه دنانير وأطراف الأكف عنم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع