تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال عارق الطائي

والله لو كان ابن جفنة جاركملكما الوجوه غضاضة وهوانا
وسلاسلاً يثنين في أعناقكموإذا لقطع منكم الأفرانا
ولكان عادته على جاراتهمسكاً وربطاً رادعاً وجفاناً

لهذه الأبيات قصة طريفة، وأنا أذكرها بما عرض من السهو فيها.

ذكر هشام الكلبي أن عمرو بن المنذر بن ماء السماء - وأمه هند بنت الحارث الملك - كان عاقد طيئاً ألا بغزوا ولا يفاخروا، فاتفق أن غزا عمرو اليمامة فرجع منفضاً، فمر بطيء، فقال زرارة بن عدس: أبيت اللعن، أصب من هذا الحي شيئاً. فقال: ويلك، إن لهم عقداً! قال: وإن كان، فإنك لم تكتب العقد لهم كلهم. فلم يزل به حتى أصاب نسوة وأذواداً، فقال في ذلك قيس ابن جروة الأجئى:

ألا حي قبل البين من أنت عاشقةومن أنت مشتاق إليه وشائقه

- وستجيء الأبيات في هذا الباب من الاختيار من بعد، لكن في آخرها قوله:

لئن لم تغير بعض ما قد صنعتملأنتحين للعظم ذو أنا عارقه

فلقب يومئذ بعارق - فلما بلغ عمرو بن هند هذا الشعر قال له زرزارة: أبيت اللعن، إنه ليتوعدك على انتقامه بزعمه. فقال عمرو لثرملة بن شعاث الأجئي: أيهجوني ابن عمك ويتوعدني؟ فقال: والله ما هجاك، ولكنه قال:

والله لو كان ابن جفنة جاركمما إن كساكم غضة وهوانا
وسلاسلاً يبرقن في أعناقكموإذا لقطع منكم الأقرانا
ولكان عادته على جيرانهذهباً وريطاً رادعاً وجفافا

يعني بابن جفنة عمرو بن الحارث، وإنما أراد ثرملة أن يقبح عليه فعلته، ومع ذلك يذهب شخيمته على ابن عمه، فقال عمرو: والله لأقتلنه! فيلغ ذلك عارقاً فقال:

من مبلغ عمرو بن هند رسالةإذا استحقبتها العيس تنضى من البعد

وستجيء من بعد أيضاً إن شاء الله.

قال الشيخ الإمام أبو علي ﵀: وإذا تأملت ما اقتصصت، بان لك أن هذه الأبيات التي أولها: والله لو كان ابن جفنة، ليس يهجو لابن جفنة وإنما هو مدح له، وقد عير بذكره عمرو بن هند، وأنه لو تولى من طيء ما تولاه عمرو بن هند كان معاملته إياهم بخلاف ما عاملهم به هو، فتصور أنها هجو لابن جفنة، وجعل بدل ما إن كساكم: لكسا الوجوه، وبدل قوله إذاً لقطع تلكم الأقرانا: منكم الأقرانا، وبدل قوله ولكان عادته على جيرانه: على جاراته، ومع هذه التغيرات ليس يخلص هجواً.

قال أبو علي: وأنا أعود إلا عادتي من تفسيرها وشرح معانيها: قوله غضة فعلة من غض، والغضاضة والغض: الفتور في الطرف. ونصب قوله وسلاسلاً على المعنى، فهو من باب قول الآخر:

يا ليت بعلك قد غدامتقلداً سيفاً ورمحاً

لأن السلاسل لس من كسوة الوجوه، فكأنه قال: ما إن كساكم غضة ولا قلدكم إذا غلكم سلاسل تبرق في أسناقكم. وقوله يثنين نعناه يعطفن ويلوين. وإذا لقطع تلكم الأقرانا فالأقران الحبال، والواحد قرن. وإذا رويت يبرقن فالمعنى ظاهر. ويشير إلى ما لحقهم من جهة عمرو بن هند. وقوله إذا أجاب لو بإذا كما أجابه باللام من قوله لكسا وبما على الأصل الأول. ومعنى لقطع تلم الأقرانا أي لو كنتم مأسورين لكان يفكم، ويقطع تلك الحبال التي صارت إساراً لكم. وإذا روى وإذا لقطع منكم الأقرانا كان معنى البيت: يشدكم في السلاسل ويبدد جمعكم. وقوله ولكان عادته على جيرانه، يريد أنه يفعل خلاف ما فعله عمرو بن هند، لأن

عادته في الجيران أن يمولهم ويصلهم، ويبرهم ويخلع عليهم، ويقريهم ويمونهم. وعلى الرواية الثانية يرميه ويقذفه بالجارات، ومعنى ذلك ظاهر. والرادع: المتغير اللون بالطيب والخلوق. ويقال: تردع بالخلوق، إذا تلطخ.

وقال آخر:

زعمتم أن إخوتكم قريشلهم إلف وليس لكم إلاف
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «زعمتم أن إخوتكم قريشٌ»
أولئك أومنوا جوعاً وخوفاًوقد جاعت بنو أسد وخافوا
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «زعمتم أن إخوتكم قريشٌ»

يخاطب بني أسد ويكذب دعواهم في انتمائهم إلى قريش، وتنسهم بالقربى والقرابة منهم، فقال: ادعيتم أن قريشاً إخوتكم، وسيماء الكذب ظاهرة علة هذه الدعوى، لأن لقريش إيلافاً في الرحلتين المعروفتين للتجارة، وليس لكم ذا؛ وقد آمنهم الله تعالى من الجوع والخوف، وأنتم خائفون جائعون. وإنما يشير إلى السورة المنزلة: لإيلاف قريش إيلافهم. رحلة الشتاء والصيف ... إلى آخرها. ويقال: ألف يألف إلفاً وإلافاً، وآلف يولف إيلافاً.

وقال آخر:

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاًمنى وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا ذكرت بهوإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
جهلاً على وجبنا عن عدوهملبئست الخلتان الجهل والجبن

انتصب فرحاً على انه مفعول له، وكان الواجب أن يقول: يطيروا بها فرحاً، لأنه لا يجوز أن يعمل حرف الشرط في الشرط بالجزم ويجعل الجواب فعلاً ماضياً في الكلام، وإن كان يجوز في الشعر. ومعنى البيت الأول أنهم إذا رأوا حسنة كتموها، وإذا رأوا سيئة أظهروها. وقوله منى أراد من جهتي. ومعنى طاروا بها أي كثروها في الناس وأذاعوها، ووصلوا القيام بالقعود في نشرها. وهذا ما ذكره من الدفن في قوله وما سمعوا من صالح دفنوا في المعنى.

وقوله صم إذا خيراً ارتفع صم على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هم صم، أي يتصاءمون عما أنسب إليه من الخصال الصالحة. ويقال للمعرض عن الشيء: هو أصم عنه. على ذلك قوله:

أصم عما ساءه سميع

قال: ومتى ذكرت بشر أدركوه وعلموه. ويقال: أذن يأذن أذناً. قال:

بسماع يأذن الشيخ له

ويجوز أن يكون اشتقاقه من الأذن الحاسة. وانتصب جهلاً لأنه مصدر لعلة. ينسبهم إلى أنهم مع الأقارب يستعملون الجهل والحسد عليهم ومعهم، وأنهم جبناء عن الأعداء ضعفاء عجزة إذا طلب كفايتهم، لا يصلحون لدفع مكروه، ولا لجلب محبوب. ثم سوأ عليهم فعلهم فقال بئست الخصلتان جهلهم على أقاربهم، وجبنهم عن أعاديهم. وهذا تأكيد في التعبير، ومبالغة في التقريع.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الهجاء: قال موسى بن جابر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.