تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال حواس الضبي لامرأة

والله ما أخشى حكيماً ورهطهولكنما يخشى أباك حكيم
وجدت أباك تابعاً فتبعتهوأنت لعهار الرجال لزوم

رمى المرأة المخاطبة وقذفها بحكيم، فقال لها معيراً ومشهراً بها: إني لا أخاف صاحبك حكيماً ولا عشيرته، ولا أحتشمهم فيك، ولكن حكيم يخشى أباك لاجتماعه معك على الفاحشة. ثم قال: تعاطيك الفجور وراثة، لأنك وجدت أباك في الأبنة تابعاً لسلفه فيها، فاقتديت به، فهو يطلب من يشفيه من دائه، وأنت أيضاً شديد اللزام للزناة والفساق، والولد يتقيل أباه.

على كل وجه عائذي دمامةيوافي بها الأحياء حين تقوم
وأورثها شر التراث أبوهمقماءة جسم والرداء ذميم

تعداهما إلى فصيلتهما بل قبيلتهما فقال: على وجه من بنى عائذة قبح وخزى، إذا قامت أحياء العرب في أسواقهم ومجامعهم يوافيهم به. والمعنى أنهم مشهورون باللؤم ودناءة النفوس، فوجوههم مسودة بالعار، مشوهة بسوء الفعال عند القبائل، فمتى وافوا يوماً مجموعاً فيه الناس وجد آثار الخزى، وغضاضة الطرف للخزاية، تلوح على صفحات وجوههم. ودمامة الوجوه ضربها مثلاً لذلك. وقوله: وأورثها، يريد أن اللؤم فيهم وراثة، وقد عرفوا ذلك من أنفسهم واعترفوا به، فترى أجسامهم في المحافل والمشاهد قميئة تصاغراً وتذللاً، وتقاصراً وتخشعاً. وقد رداهم الله برداء أعمالهم من الغدر والخيانة، والغلول والسفاهة؛ فرادؤهم مذموم في الألسنة عند الخاصة والعامة. ويجوز أن يكون المراد أن سيماهم كالرداء عليهم، فهم مذمومون لها وعليها، ويروى: والرواء دميم، يعني قبح الطلعة. ودميم: اسم الفاعل من دممت دمامة. وفعلت في المضاعف قليل. والرواء يجوز أن يكون فعالاً من الرؤية، ويجوز أن يكون من الري.

كأن خروء الطير فوق رءسهمإذا اجتمعت قيس معاً وتميم
متى نسأل الضبي عن شر قومهيقل لك إن العائذى لئيم

لما كان يوصف الوقور المتثبت في الأمور إذا حصل مع أشباهه من أهل الأناة والرفق والرزانة وسكون الجأش في منتدى لهم، وتناجوا وتشاوروا، أو حضروا في

مجلس محتشم فتجاذبوا وتناظروا، بقولهم: كأن على رءوسهم الطير، وهذا التشبيه إنما حصل على أنهم من السكون ومفارقة التعجل بمنزلة من على رأسه طير فيخاف في تحركه ذهابها وطيرانها؛ ولما كان هذا الشاعر يهجو بني عائدة ويهزأ بهم، جعل بدل ذلك القول كأن خروء الطير فوق رءوسهم. وقوله إذا اجتمعت قيس معاً وتميم بيان لاختلاطهم بأهل الحل والعقد من وجوه القبائل ورؤساء المحافل. وكان الحكم أن يقول: إذا اجتمعت قيس وتميم معاً، فقدم معاً لأن العاطف ينبه على موضع المعطوف. وقوله متى تسأل الضبي عن شر قومه، يروى: عن سر قومه، وهو حسن، والمعنى أنهم لئام باعتراف من قومهم به، واتفاق منهم عليه، لكنهم يسرون أمرهم ويخفونه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الهجاء: قال موسى بن جابر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.