من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال مدرك
لقد كنت أرمي الوحش وهي بغرةوتسكن أحياناً إلى شرودها
فقد أمكنتني الوحش مذ رث أسهميوما ضر وحشاً قانص لا يصيدها
فأعرضت عن سلمى وقلت لصاحبيسواء علينا بخل سلمى وجودها
جعل الوحش كناية عن النساء. وإنما يذكر أيام شبابه، ووقت صباه ولهوه، فيقول: كنت أتعرض للنساء وهي مغترة وفي غفلة عني، فأصيبها بمحاسني وأصطادها. والشاردة منها النافرة من الريب تسكن إلي وتميل نحوي وقتاً بعدوقت، وحالاً بعد حال. هذا فيما مضى من عمري، والآن قد شخت فسهامي قد رثت، وآلاتي كلت. وإنما يريد محاسنه عندهن من قبل، وأنها قد بارت، وما كان ينفقه عندهن من نفوذ نصاله عند الرماء فيهن كلت. قال: فالوحش تمكنني وأنا لا أرميها وتكتب لي وأنا غافل دونها. ومعنى تمكنني أن النساء تنبسط إلي فلا تنقبض، وتستنيم فلا تنفر لأمنها من توجه الريبة. قال: والصائد لا يضر الوحش إذا لم يصدها، يعني نفسه. وهذا الكلام يجري مجرى الأمثال. والمعنى أنهن لا ينفرن مني، وقد سكن إلي وأمن رميي.
وقوله فأعرضت عن سلمى، يقول: تركت صاحبتي التي كنت أولع بها؛ وأستلذ ذكرها، زاهداً فيها، وقلت لقربتي وأليفي: بخلها وجودها يستويان علي مع إعراضي وضعف حاجتي، وكلال حدي، وعجز قدرتي، وتسلط رثيات الشيب علي، وتمكن أبدال اللهو مني. وقوله سواء علينا سواء مصدر في الأصل، وقد وصف به.
فلا تحسدن عبساً على ما أصابهاوذم حياة قد تولى زهيدها
تشتبه عبس هاشماً أن تسر بلتسرابيل خز أنكرتها جلودها
كان الوليد وسليمان ابنا عبد الملك أمهما عبسية، فارتفع شأن بني عيسى بها، واختلطوا بمدبري الخلافة وسواس الرعية، والذابين عن المملكة. فيقول مخاطباً لصاحب له: لا تحسدن بني عبس على ما نلته من الملك والرياسة، وذم زماناً ساعدها على ذلك وأهلها له، وحياة تولي زهيدها في الشقاء بها، ومكابدة الأوابد منهم فيها. والزهيد: القليل الخير، ويقال: رجل زهيد وامرأة زهيدة، وهما القليل الطعم، يريد أن أمرهم خلسة من خلس الدهر، وسينقطع منكره ويعود إلى دون ما يجب له. وقوله تشبه عبس هاشماً، يقال: شبهته كذا وبكذا، وتشبه زيد بكذا وكذا. يقول: تنعموا بلذات الدنيا وزخارفها، وشاركوا أرباب الخلافة وولاتها في ملابسهم التي تنكرها جلودهم، ومطامعهم التي لم تذقها لهواتهم، فحدثوا أنفسهم بأنهم أمثالهم، ووسوس الشيطان إليهم مماثلة حالهم لأحوالهم عند الحفل، وفي الخلوات. وقوله أن تسربلت يريد: لأن تسربلت. كأنهم لمساعدة الأحوال لهم فعلوا ما فعلوا. وإنما قال أنكرتها جلودها لأنها لم تعتمدها من قبل. ومثله قول الآخر:
بكى الخز من عوف وأنكر جلدهوضجت ضجيجاً من جذام المطارف
فلا تحسبن الخير ضربة لازبلعبس إذا مافات عنها وليدها
فسادة عبس في الحديث نساؤهاوقادة عبس في القديم عبيدها
هوذا يسلى صاحبه عما تداخله من الغيظ على زمان بلغ بيني عبس ما بلغ، فيقول: لا تظنن أن هذه الأمور تجري على ما تشاهدها سليمة من الحوادث، وأن الدولة تمتد لبني عبس وتصير كالواجب لها، بريئة من الصوارف، نقيةمن الشوائب؛ فإن كل ذلك بعرض الزوال والتغير، متى مات من تقدموا به، وهو الوليد بن عبد الملك. وحكى عن الحضين بن المنذر أنه قال لبعض بني عبس وقد تنازعا في شيء: إنما أنتم يا بني عبس بحر، فإن ابتل ابتللتم، وإن يبس يبتسم. وقوله فسادة عبس نساؤها، يعني أم الوليد والمتصلات بها. هذا في الحديث زعم. قال: وفي القديم كانوا بالعبيد، يعني به عنترة بن شداد، لأنه عيسى، وكان هجيناً، ولذلك قال:
إني امرؤ من خير عبس منصباًشطري وأحمي سائري بالمنصل
وقال أيضاً:
أنا الهجين عنترةكل امرىء يحمى حره
أسوده وأحمره وهو أحد الفرسان الذين جل أمرهم، وعظم شأنهم.
وقال آخر:
أقول حين أرى كعباً ولحيتهلا بارك الله في بضع وستين
من السنين تملاها بلا حسبولا حياء ولا قدر ولا دين
أجري جمع السلامة في أن أعرب آخره مجرى جموع التكسير، وقد جاء ذلك كثيراً. على هذا قول الآخر:
وقد جاوزت حد الأربعين
وقوله:
وابن أبى أبى من أبيين
وقوله من السنين تعلق بقوله في بضع. والبضع مختلف به، فمنهم من يقول: يتناول ما بين الثلاثة إلى العشرة كله، ومنهم من يجعله متناولاً للنصف من ذلك. والأول هو الصحيح. وقيل في قوله: " بضع سنين " إنها سبعة، وقد حكى الفتح في الباء منه أيضاً، وأصله من القطع. وقوله تملاها عاش ملاوتها. والملاوة تكسر ميمه وتضم. ومنه الملى من الدهر، وقولهم: ثمليت حبيباً.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع