من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال مالك بن أسماء
لو كنت أحمل خمراً حين زرتكملم ينكر الكلب أني صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك تفغمنيوعنبر الهند مشبوباً على النار
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرنيوكان يعرف ريح الزق والقار
قوله تفغمني، أي تسد خياشيمي وتملؤها. ويقال: الريح الطيبة تفغم المزكوم. وقوله مشبوباً على النار، يقال: رأيت شبة النار، أي اشتعالها، وقد
شببتها. وتوسعوا فيه فقالوا: فلانة يشبها فرعها، إذا أظهر بياض وجهها سواد شعرها. وانتصب مشبوباً على الحال. ومعنى الأبيات ظاهر.
وقال آخر:
هجوت الأدعياء فناصبتنيمعاشر خلتها عرباً صحاحا
فقلت لهم وقد نبحوا طويلاًعلى فلم أجب لهم نباحاً
أمنهم أنتم فأكف عنكموأدفع عنكم الشتم الصراحا
وإلا فاحمدوا رأيي فإنيسأنفي عنكم التهم القباحا
وحسبتك تهمة ببرىء قوميضم على أخي سقم جناحا
هذه الطريقة في ذم الأدعياء غريبة حسنة جداً. وفيما قال أبو العتاهية في والبة بن الحباب ما هو مستبدع أيضاً، وهو:
ما بال من آباؤه عرب الألوان أصبح من بني قيصر
أكذا خلقت أبا أسامة أملونت سالفتيك بالعصفر
وأخذ أبو نواس فقال أيضاً:
وابن الحباب صليبة وعمواومن المحال صليبة أشقر
ومصدر الدعي الدعوة والدعاوة. وناصبتني، أي عادتني؛ ويقال: ناصبت فلاناً الحرب والعداوة، ونصبنا لهم حرباً. ويقال: العرب العاربة والعرباء، أي الخلص. والعرب المستعربة: الذين فيهم بعد. وقوله عرب الألوان مثل قولهم: سروج خز الصفات.
وعرباً صحاحا أي صحاح الأنساب. والنباح يستعمل في صوت التيس عند السفاد، وفي الهدهد والظبي. ويستعمل في الشاعر على طريق الذم. ويقال: نبحه
ونبح عليه. قال الهذلي:
ولو نبحتني بالشكاة كلابها
والمراد بقوله لهم نباحاً: لم أجب نباحهم. ولهم تبيين. وقوله أمنهم أنتم في موضع المفعول من قلت، وانتصب فأكف بإضمار أن، وهو جواب الاستفهام بالفاء. والصراح: الخالص من كل شيء، وكذلك الصريح والصراح. ورجل صريح: ضد هجين، من قوم صرحاء. وخمر صراح: لم تشب بمزاج. وقوله حسبك تهمة ارتفع على الابتداء، ويكتفي به لأن فيه معنى الأمر، أي اكتف. وانتصب تهمة على التمييز، ومعنى الأبيات ظاهر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع