من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عويف القوافي (٢)
وما أمكم تحت الخوافق والقنابثكلى ولا زهراء من نسوة زهر
ألستم أقل الناس عند لوائهموأكثرهم عند الذبيحة والقدر
وصفهم بأنهم يتصونون، فلا يبتذلون في الحروب، فأمهاتهم تثكلهم تحت الأعلام إذا خفقت، والرماح إذا أشرعت. وقوله ولا زهراء، أي لسيت هي بكريمة في نفسها. وهذا ضد قول الآخر:
أمك بيضاء من قضاعة
يريد بياض الكرم لا بياض اللون.
وقوله: ألستم أقل الناس، ويقررهم على لؤمهم وتأخرهم في الحروب، وقلتهم عند خفق البنود، وعند عقدها للرياسات؛ وعلى أنهم يكثرون في المآدب، ويتزاحمون على الذبائح. وإنما يقرر بأليس وبألم وما أشبهه في الواجب، لأن
الاستفهام كالنفي، والنفي إذا دخل على النفي صار واجبا، وقد مر الكلام فيه فيما تقدم.
وقال آخر:
ونبيت ركبان الطريق تناذرواعقيلاً إذا حلوا الذناب فصرخدا
فتى بجعل المحض الصريح لبطنهشعاراً ويقرى الضيف عضباً مهندا
قوله تناذروا، أي أنذر بعضهم بعضاً، وموضعه من الإعراب نصب على أن يكون مفعولاً ثالثاً لنبئت. والذناب وصرخد: موضعان. والمعنى أن السفر والسابلة والمارة قد عرفوا عقيلا بالغدر والخيانة، والطمع في مال الضيف والجار والحليف، فإذا نزلوا هذين الموضعين وهما مما يقارب محل عقيل ومأواه، حذر بعضهم بعضاً، وتواصلوا بالاحترا منه، ثم قال: هو فتى يملأ بطنه من خالص المحض، فالمحض شعار بطنه، يليه ويشحنه ويلتبس به، ويعد لقرى ضيفه سيفاً قاطعاً. والأصل في الشعار ما يلي الجسد من الثياب، ثم توسع فيه فقيل: أشعر قلبي هما أي أبطنه. وحكى بعضهم: هندت السيف: شحذته وأحدودته. والمشهور نسبته إلى هند.
وقد استعمل القرى على هذا غيره فقال، وهو أبو وجزة:
وذاك القرى لا قرى قوم رأيتهميقرون ضيفهم الملوية الجددا
يعني السياط.
وقال آخر:
أناخ اللؤم وسط بني رياحمطيته فأقسم لا يريم
كذلك كل ذي سفر إذا ماتناهى عند غايته مقيم
يقال: أنخت البعير فبرك، ولا يقال فناخ. وهذا من باب ما استغنى به من غيره، ومعنى لا يريم لا يبرح. وقوله كذلك في موضع الحال، لأن كل ذي سفر مبتدأ، ومقيم خبره، قال، وكل مسافر إذا ما انتهى إلى غايته يلقي عصاه، ويحط رحله. كذلك، أي مثل إقامة اللؤم فيهم.
وهذا المعنى قد نقله البحتري إلى المدح فيهم.
أو ما رأيت المجد ألقى رحلهفي آل طلحة ثم لم يتحول
وقال آخر:
إذا بكرية ولدت غلاماًفيا أؤماً لذلك من غلام
يزاحم في المآدب كل عبدوليس لدي الحفاظ بذي زحام
قوله يا لؤما لفظه لفظ النداء والمهنى معنى التعجب، أي ما أشده من لؤم. ومثله: " يا حسرة على العباد "، وقول الشاعر:
فيا شاعراً لا شاعر اليوم مثلهجرير ولكن في كليب تواضع
وقوله يزاحم في المآدب يشبه قول عويف:
ألستم أقل الناس عند لوائهموأكثرهم عند الذبيحة والقدر
وإن كان زاد عليه لما جعل مزاحمته على الطعام مع العبيد. وقوله من غلام أي لذلك الغلام من بين الغلمان. وواحد المآدب مأدبة، والفعل منه أديت.
وقال آخر:
ردي ثم اشربي نهلاً وعلاًولا يغررك أقوال ابن ذيب
فلو كان القليب على لحاهملأسهل وطؤها شفة القليب
يشجعها على الورود والصدر، وشرب العلل بعد النهل. وعلى ألا تحتفل بتهدد ابن ذئب وإرعاده وإبراقه، فإنه قول لا فعل معه، وقعقعة لا وقع بعدها. وكان التخاصم في بئر، فلذلك قال ما قال. وقوله فلو كان القليب على لحاهم استخفاف بهم وإهانة. ومعنى أسهل: وجدها سهلا، ويعني بوطئها وطء الإبل، ولم يجر لها ذكر، ولكن المراد مفهوم: والمعنى: كانت تجد حرف البئر سهلاً لا حزناً. يقول: لو كان موضع البئر
لحاهم ماجسروا على المنع، ولا على التمانع، ولا كان يتعقب ورودها إنكار ولا وبال.
وقال آخر:
إن تبغضوني فقد أسخنت أعينكموقد أتيت حراماً ما تظنونا
وقد ضممت إلى الأحشاء جاريةعذباً مقبلها مما تصونونا
يقول: لا ملام عليكم في بغضائكم لي، فقد نلت منكم ما استحققت به ذاك. وانتصب حراماً على الحال من أتيت، وما تظنونا في موضع المفعول، والضمير العائد من الصلة محذوف. وقوله مما تصونانا ولم يقل ممن، لأن القصد إلى الجنس وما للصفات والأجناس ولما دون الناطقين. فأما قوله تظنون فيجوز أن يكون من غالب الظن، ويجوز أن يكون من اليقين.
وقال آخر:
يا قبح الله أقواماً إذا ذكروابني عميرة رهط اللؤم والعار
قوم إذا خرجوا من سوءة ولجوافي سوءة لم يجنوها بأستار
المنادى في قوله يا قبح الله محذوف، كأنه قال: يا قوم، أو يا ناس قبح الله أقواماً، أي أبعدهم الله. وبني عميرة انتصب على البدل من أقواماً، والمعنى في قوله إذا ذكروا أي وقت ذكروا فأبعدهم الله. ورهط اللؤم انتصب على الذم والاختصاص، والعامل فيه فعل مضمر، كأنه قال: أذكر رهط اللؤم. وقوله قوم ارتفع على أنه خبر المبتدأ، أي هم قوم إذا خرجوا من سوءة ومخزية، أي من اكتسابهما وفعلهما، دخلوا في مثلها أو أسوأ منها وأخرى لا يتسترون فيها ولا يستحيون منها.
يهجو الحضري ويمدح البدوي: وقال آخر:
جواب بيداء بها عروف
لا يأكل البقل ولا يريف
ولا يرى في بيته القليف
إلا الحمت المفعم المكشوف
للجار والضيف إذا يضيف
والحضري مبطن معلوف
للفسو في أثوابه شفيف
أعجب بيتيه له الكنيف
أوطاية مبقلة وسيف
قوله جواب بيداء يصف به البدوي، أي قطاع المفاوز بليغ المعرفة بها. ويقال: رجل عروف وعروفة وعريف، أي عارف. ويقال من العرف بكسر العين، وهو الصبر: عارف وعروف أي صبور؛ فيجوز فيه الوجهان. ويروى: جواب بيد أيه عروف، والأيه: الصيت المتيقظ الحي القلب والنفس: والبيد: جمع بيداء. وقوله لا يأكل البقل، أي هو قوى صلب العروق، لأن البقول ترخي الأعصاب. ولا يريف أي لا يدخل الحضر. والريف: الخضرة. وقال الدريدي: الريف: ما قارب السواد من أرض العرب، والجميع أرياف وريوف. وتريف القوم ورافوا: دنوا من الريف. وقوله: ولا يرى في بيته القليف أي طعامه طعام البدويين: اللبن والتمر، لا الخبز. وقلافة الخبز وقليفه: الذي يلزق منه بالتنور.
وقوله: إلا الحميت بدل من القليف، وهو نحى السمن. والمفعم: المملوء. وجعله مكشوفاً للجار والضيف ليدل على سخائه بما فيه، ولا ستر عليه ولا حجاب دونه، فاللام من قوله للجار يتعلق بالمكشوف. وقوله والحضري مبطن معلوف، أي بطيعه ما يأكله، ويرتع فيه فينهم فيه ويتجاوز حدود أكل الناس حتى يصير معلوفاً كما تعلف الدواب للسمن. والمبطن: الموسع البطن. وقد بطن بطناً، أي عظم بطنه، وأصابته البطنة. وفي المثل: البطنة
تذهب الفطنة، أي كثرة الأكل تحدث البلادة، ورجل بطين ومبطان: عظيم البطن. والمبطن: الخميص البطن. قال:
فأتت به حوش الفؤاد مبطنا
وقال متمم:
فتى غير مبطان العشيات أروعا
والشفيف: برد ريح في ندوة، واسم تلك الريح الشفان. وقوله أعجب بيتيه أي الذي يأكل فيه والذي يحدث فيه. والكنيف جعله أعجب إليه لكثرة أطيافه.
والطاية: الأرض الفضاء الواسعة. والسيف: ساحل البحر. وأبقل المكان: كثر بقله.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع