من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال أبو البرج القاسم بن حنبل
أرى الخلان بعد أبي خبيبوخجر في جنابهم جفاء
من البيض الوجوه بني سنانلو أنك تستضيء بهم أضاءوا
لهم شمس النهار إذا استقلتونور ما يغيبه العماء
هم حلوا من الشرف المعلىومن حسب العشيرة حيث شاءوا
الجناب: ناحية القوم. ويقال: فلان رحب الجناب، كأنه استجفى نبوهم فعتب عليهم، ثم أخذ يمدحهم ويستعطفهم، فيقول: أجد الأصدقاء بعد هذين الرجلين يجفو جنابهم عني وينبو جانبهم، وهم من القوم الكرام الغر الوجوه، أذكر بني سنان. فقوله بني سنان يجوز أن ينتصب على المدح والاختصاص، ويجوز أن يجعل مجروراً على البدل من البيض الوجوه. وإنما وصفهم بنقاء الحسب وانتفاء العار والعيب من الذمم. قال: فلو استضأت بنور وجوههم لأضاءوا في بهم الظلم، فلهم مننور الكرم مثل شمس النهار إذا ارتفعت وعلت، ومثل نور الليل لا يستره ظلام، ولا يخفيه عماء، وهو الغيم الرقيق، ومثل نور الليل الذي اكتسبوه، ويحميد أفعالهم شيدوه، المعلى يعني المرفع، إلى أبعد الغايات، وأقصى النهايات. ويجوز أن يكون أراد القدح المعلى، لأنه أشرف القداح وأكثرها أنصباء، فجعله مثلاً لأرفع المدارج وأسنى المراتب. وقوله ومن حسب العشيرة يريد به المتوارث، أي نزلوا منه حيث اختاروه وأحبوه. ومراده أنه جمع لهم بين المكتسب والمتوارث من الشرف ةالحسب. وأضاف الحسب إلى العشيرة لأنهم شركاء في التليد منه.
وأزيد مما قصده في قوله من البيض الوجوه بني سنان قول الآخر:
بناة مكارم وأساة كلمدماؤهم من الكلب الشفاء
فأما بيتكم إن عد بيتفطال السمك واتسع الفناء
وأما أسه فعلى قديممن المعادي إن ذكر البناء
فلو أن السماء دنت لمجدومكرمة دنت لهم السماء
البناة: جمع بان. والأساة: جمع آس، وهذا الجمع يختص بالمعتل، كما أن فعلة نحو كفرة وظلمة يختص بالصحيح. والآسي: مداوي الجراحات. والكلم: الجرح. وهذا مثل لشدة الهوال واضطراب الأحوال. والمعنى: إذا تفاقمت الأمور، وحرجت بما اجتمعت فيها الصدور، فإنهم يتلافونها بعنفهم او لطفهم، وهم ملوك ففي دمائهم شفاء من عض الكلب الكلب، وهو الذي يكلب بأكل لحوم الناس، فيأخذه من ذلك شبه الجنون، فلا يعض إنساناً إلا كلب.
ويقال: إن من عضه ينبح نبيح الكلاب فينتظر به سبعة أيام، فإن بال هنات على خلقة الكلاب برأ، وإلا مات بزعمهم. ويقولون: إنه لا دواء له أنجع من شرب دم ملك. ومثله قول الفرزدق:
ولو تشرب الكلبى المراض دماءناشفتها وذو الخبل الذي هو أدنف
وقوله فأما بيتكم إن عد بيت فإنه يريد: إذا عدت البيوت فبيتكم طويل السمك ثابت الأس، فسيح الساحة والفناء، واسع الأقطار والأرجاء. والسمك: أعلى البيت الداخل، فأما أعلاه الخارج فإنه الصهوة. والعادي: القديم، نسب إلى عاد. فيريد: بناء شرفكم قديم، ومكانه وسيع، وسموقة رفيع، ورسوخة عميق.
وقوله: فلو أن السماء دنت لمجد، يريد لو ملكت السماء الدنو والانحطاط عن موضعه الذي سمك فيه ليرتقي إليها مجدهم، أو ليشارك الأرض في إقلالهم وإيوائهم، والاحتواء على مكارمهم، لفعلت ذلك، ولكنها عاجزة غير مالكة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع