تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال المثلم بن رياح (٢)

بكر العواذل بالسواد يلمننيجهلاً يقلن ألا ترى ما تصنع
للشاعر المثلم المري، من قصيدة «بكر العواذل بالسواد يلمنني»
أفنيت مالك في السفاه وإنماأمره السفاهة ما أمرنك أجمع
للشاعر المثلم المري، من قصيدة «بكر العواذل بالسواد يلمنني»

يقول: بكر اللوائم في سواد الليل، ولم تصبر إلى وقت الإصباح، حرصاً من نفوسهم على تقريعي وتوبيخي، لجهلهن وضعف رأيهن، وقصور بصائرهن عن معرفة ما لهن وعليهن، يقلن لي مستعظمات لما آتيه، ومستنكرات لما أنفقه وأفرقه: ألا ترى ما تأتي وما تذر. وإنما صلح أن يقول بكرن بالسواد لأن البكور الابتداء في الشيء، ومنه باكورة الربيع، والبكر في النساء.

وهذا كما قال غيره: " ألا بكرت عرسي بليل تلومني " وقوله " أهلكت مالك " هو تفسير ما أبهمه قوله " ألا ترى ما تصنع " والمعنى: صرفت مالك فيما هو سفه وضلال، وغباوة وضياع. ثم قال: وإذا تؤمل الحال فيما يراودنك عليه فالأمر بالسفاهة ما أمر نكه كله. جعل يخاطبنفسه بذلك. ويقال: أمرتك كذا وبكذا. قال الشاعر: " أمرتك الخير فافعل ما أمرت به " فجمع بين الوجهين. وفي القرآن: " فاصدع بما تؤمر ". ويجوز أن يكون معنى أمر السفاهة الأمر الذي تولد عن السفاهة، ويكون الإضافة فيه إضافة المسبب إلى السبب، كأنه جعل السفاهة فيهن ومنهن. وقوله " ما أمرنك " ما مع الفعل في تقدير المصدر، وأجمع توكيد له. والسفاهة والسفاه والسفه: الخفة والطيش. ويقال: زمام سفيه كما يقال زمام عيار. وسفهت الريح الغصن: حركته. وتسفهت الرياح: اضطربت. و " يلمنني " في موضع الحال.

وجهلاً يجوز أن تكون مفعولاً " له "، ويجوز أن تكون في موضع الحال. و " ألا ترى " ما تصنع " في موضع

مفعول يقلن. وما من قوله " ما تصنع " يجوز أن يكون بمعنى الذي، وقد حذف المفعول من صلته، يريد تصنعه. ويجوز أن يكون مفعولاً مقدماً لتصنع، والمعنى أي شيء تصنع.

وقتود ناجية وضعت بقفزةوالطير غاشية العوافي وقع
بمهند ذي حلية جردتهيبرى الأصم من العظام ويقطع
للشاعر المثلم المري، من قصيدة «بكر العواذل بالسواد يلمنني»

قوله " وقتود ناجية " انجر بإضمار رب، وجوابه وضعت بقفزة، والواو من قوله والطير واو الحال. فيقول: رب رحل ناقة سريعة وضعته بمكان خال وتركته، لأني عرقبتها، والطير عوافيها تغشاها وتقع عليها. وأكثر ما يجيء المجرور برب يجيء الجواب، وها هنا لم يصفه. وقوله " غاشية العوافي " وجب أن يكون فيه ضمير للناقة، حتى يكون بين ذي الحال وبينه تعلق، فحذف ذلك الضمير لأن المراد مفهوم، ولو أتى به لكان والطير غاشية العوافي إياها وقع عليها. والعوافي: جمع عافية، وهو من قولهم عفاه واعتفاه؛ وقد مر ذكره.

وقوله " بمهند " تعلق الباء منه بقوله وضعت بقفزة، لأنه لم يحط الرحل عن الناجية ولم يضعها " بالقفزة " إلا وقد عرقبها، فكأنه " جعل ": وضعت بقفزة دلالةً على العقر والعرقبة.

وقوله " ذي حلية " يريد أنه كان ملطخاً بالدم، فجعل ذلك الدم كالحلية لها. وقوله " يبرى الأصم من العظام ويقطع " يعني بالأصم ما ليس بأجوف، وذلك أصلب، فإذا برى الأصم فهو للمجوف أبرى.

لتنوب نائبة فتعلم أننيممن يغر على الثناء فيخدع
للشاعر المثلم المري، من قصيدة «بكر العواذل بالسواد يلمنني»
إني مقسم ما ملكت فجاعلأجراً لآخرة ودنيا تنفع
للشاعر المثلم المري، من قصيدة «بكر العواذل بالسواد يلمنني»

قوله " لتنوب " تعلق اللام بفعل مضمر دل عليه ما تقدم، كأنه قال: فعلت ذلك لكي إذا نابت نائبة علمت أني أنهض فيها، وأطلب الأحدوثة الجميلة في دفعها، وأني أحمل على الغرر، وأخدع عن المال بالثناء والشكر. ثم قال: إني أقسم ما أملكه بين أمرين: مدخر للآخرة، ومنتفع به في الدنيا. وجعل قوله لآخرة ودنيا نكرتين، وقد جاء في غير هذا المكان دنيا في صورة المعرفة،

قال: " في سعي دنيا طال ما قد مدت " ووجه التنكير فيها وفي آخره أن يراد أجر عائد في أمد من آماد الآخرة، ومنفعة في مثله من الدنيا، وكان الواجب أن يقول ومنفعة لدنيا، حتى يكون لفق الأول فيما ساقه من الكلام، وتفسيراً لما قسمه من مصارف المال، إلا أنه رمى بالكلام على ما ترى لما لم يلتبس.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.