تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال العريان

مررت على دار امرىء السوء حولهلبون كعيدان بحائط بستان
فقال ألا أضحت لبوني كما ترىكأن على لباتها طين أفدان
فقلت عسى أن يحوي الجيش سربهاولا واحد يسعى عليها ولا اثنان

يعني بامرىء السوء المبخل الملوم، الذي لاهم له إلا تثمير ماله وحفظها ومنعها من الحقوق الواجبة فيها. واللبون، أراد بها الجنس، لذلك قال " حوله لبون ". وأصل اللبون الإبل ذوات " الألبان ". والعيدان: النخل الطوال، واحدها عيدانة، وهو فيعالة من عدن بالمكان، إذا أقام. ومثله غيداق من غدق. ويعني بها الراسيات الثابتات على مر السنين. وعنى بالحائط موضع شجر. والبستان: النخل. والأصل في الحائط أنه اسم الفاعل من حاط، واستعمل استعمال اسم الفاعل الذي لم يشتق من الأفعال، ومثله من جنسه قولهم والد وصاحب، ومن المصادر: لله درك. وشبه الإبل

بالعيدان لطولها، ومثل هذا قول الآخر:

طيبة الأنفس بالدر نعسكأنها حائط نخل ملتبس

وقوله " فقال ألا أضحت لبوني كما ترى " أخذ يتبجح عنده بوفور ماله وسمنها، وتراكم اللحم والشحم على ظهورها، فأخذ يعجبه منها، ثم شبه اللحم للسمن على لباتها بطين قصور طينت به، فالإبل كالقصور، وما قذف به من زيادة اللحم كالطين. وهذا كقول القطامي: " كما بطنت بالفدن السياعا " وقوله " فقلت عسى أن يحوي الجيش "، هذه أسنية تمناها. أراد كايدته وقلت عسى أن يقبض الله لها جيشاً يحويها، ويحول بينك وبين التمتع بها، فلا يسعى عليها مالك واحد ولااثنان، لكنها تصير مقسمة في المغيرين، موزعة في السالبين. ويجوز أن يريد: لايتفقدها مصلحاً لها لا واحد ولا اثنان، لكنها تساق وتذال بالغارة وتهان.

ورحت إلى دار امرىء الصدق حولهمرابط أفراس وملعب فتيان
ومنحر مئناث يجر حوارهاوملعب إخوان إلى جنب إخوان
فقلت له إني أتيتك راغباًبذعلبة تدمى وإني امرؤ عان
فقال ألا أهلاً وسهلاً ومرحباًجعلتك منى حيث أجعل أشجاني
فقلت له جادت عليك سحابةبنوء يندى كل فغو وريحان
وقلت سقاك الله خمر سلافةبماء سحاب حائر بين مصدان

قوله " دار امرىء الصدق " ضد قولهم: امرىء السوء، والمعنى فيهما نعم الرجل وبئس الرجل. وإذا قصد إلى الوصف به فتح فقيل الصدق. يقال: رجل صدق ونساء صدقات. والسوء يوصف به فيقال الرجل السوء. وقال الخليل: الصدق بفتح الصاد: الكامل من كل شيء. فتقول: عدلت رائحاً إلى الرجل الكريم الممدح بالألسنة، المرضى المحبب إلى كل طائفة، المرزأ في ماله، المنفاق على أضيافه

وزواره وحوله مرابط الخيل، وفناؤه ملعب الفتيان، إذ كان همه الاشتغال بالفروسية وما يكتسب به فنون الذكر الجميل وضروب المحمدة، وندماؤه الفتيان ذوو الكرم والحرية، والافتنان في اللعب والشطارة، وبقرب داره مدارج الكرامات، ومبوأ الضيافات، ومجزر النوق العشار الصحيحات الرائعات، فتجر حيرانها إذا بعجت عنها بطونها لكبرها. يريد أن ما يضن بأمثالها ويتنافس فيها، هو يبتذلها ويستهين بها، وله دار ندامةووفادة، تنصب فيها الموائد، وقد رتب عليها الإخوان على سنن الدوام، ولا يقع فيه خلل ولا تجوز، ولا فتور ولاتخون.

وقوله: " فقلت له إني أتيتك راغباً " يريد تعرضت له وأريته رغبتي في معروفه، وعرفته أني قصدته على ناقة سريعة من مكان بعيد، فقد دميت أخفاقها وحفيت، وأني رجل مضرور، أسير فاقة وفقر، محتاج من جهته إلى تفقد ومواساة. فقال في جوابي: أتيت أهلاً لا غرباء، ونزلت سهلاً من الجوانب لا حزناً، واخترت رحباً لاضيقاً، فأنت في قلبي وصدري بحيث أجعل مهماتي وحاجاتي، تشملك عنايتي، ويسعك إفضالي، فكن كالشريك فيما لنا، لاتمايز ولاتباين، ولا تمانع ولا تضايق. فقلت له في مقابلة ما أورده داعياً وشاكراً: هنأك الله ما أعطاك، ومطر أرضك ومأواك، بجود من سحابة نشأت بنوء يحيى كل نبت وريحان، بكل أرض ومكان. وقلت أيضاً: داعياً له بالسقيا: سقاك الله خمرةً صافية رقيقةً، ممزوجة بماء مطر حائر بين المنافع والغدران، بعد أن تقاذفته المدافع والمسلان، وتقطع بأنضاد الحجر، وتغلغل في جوانب الخمر. والمصدان: جمع مصاد، وهي شقوق الجبال. وقال الخليل: المصدان: الهضاب، واحدها مصاد، وفي أدنى العدد أمصدة، ومنه سمى المعقل مصادا. والفغو: ماله رائحة طيبة من النبات، وكذلك الفاغية. والذعلبة يوصف بها النعامة والناقة الشديدة السريعة. ويقال: اذلعب البعير إذا أسرع. وسلافة الخمر: أول ما يخرج من عصيرها. وإضافة الخمر إليها على طريق التبيين. وهذا كما يفيده " من " من قوله: " فاجتنبوا الرجس من الأوثان ".

وقال آخر:

لمست بكفي كفه أبتغى الغنىولم أدر أن الجود من كفه يعدي
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لمست بكفي كفه أبتغي الغنى»
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنىأفدت وأعداني فأتلفت ما عندي
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لمست بكفي كفه أبتغي الغنى»

قوله " أبتغي الغنى " في موضع الحال، وأفدت بمعنى استفدت. يقول: لما زرته صافحته واضعاً كفي في كفه، وملتمساً الغنى من عنده، وراجياً نيل الخير في قصده، ولم أعلم أن السخاء يعدي من يده، فلا أنا استفدت من جهته ما استفاده الأغنياء منه، وأعداني لمس كفه الجود فأهلكت ما عندي أيضاً.

وقوله " ما أفاد " في موضع المفعول من قوله أفدت.

وقال آخر:

إذا لاقيت قومي فاسأليهمكفى قوماً بصاحبهم خبيرا
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، من قصيدة «وغانية عرضت لها فقالت»
هل اعفو عن أصول الحق فيهمإذا عسرت وأقتطع الصدورا

يتبجح قائله عند المرأة التي خاطبها، بسهولة جانبه، وترك المناقشة في استخراج حقوقه، وسماحة نفسه بما يملكه، فيقول: إذا رأيت قومي فارجعي إليهم سائلةً عني، ومستخبرةً حالي ومعتمدةً على ما تسمعينه من قصتي وأمري، فكفى بقومي عالماً بي وبأخلاقي. وقوله " كفى قوماً بصاحبهم " مقلوب وكان الواجب أن يقول: كفى بقومي خبيراً بصاحبهم، ويعني بصاحبهم نفسه. والخبير: ذو الخبرة التامة والمعرفة الكاملة. وانتصابه على الحال إن شئت، وإن شئت على التمييز وقد وضع خبيراً موضع خبراً، ومثله في القرآن: " وحسن أولئك رفيقاً ". وفاعل كفى قبل القلب " بقومي " وهذا كقوله تعالى: " كفى بالله شهيداً " والباء زائدة.

وقوله: " هل أعفو عن أصول الحق فيهم " يريد سليهم هل أسامح بما يجب لي من أصول حقي، وهل أترك الاستقصاء في استخراجها، وهل أعنف بهم إذا تعسرت عندهم، وهل أجبى صدر ما يحل لي ويجب راضياً به، وغير معرج على أواخره وأعجازه، لئلا أكون مناقشاً في الاستقصاء مضايقاً، ويكون هذا مثل قول

الآخر:

إنا إذا شاربنا شريبله ذنوب ولنا ذنوب

فإن أبي كانت له القليب وقيل معنى " أقتطع الصدور " أراد به مودات الصدور، فحذف المضاف. وقيل: بل أراد بالصدور الرؤساء. والمراد من البيت أني أسامح في معاملة أوساط قومي لأمتلكهم بذلك، وأجعل رؤساءهم منصبين إلى ومائلين نحوي، لأني أقتطعهم عن غيري، وأعدل بهم عمن سواي.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.