من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال أبو دهبل الجمحي (٢)
إن البيوت معادن فنجارهذهب وكل بيوته ضخم
عقم النساء فما يلدن شبيههإن النساء بمثله عقم
متهلل بنعم، بلا متباعدسيان منه الوفر والعدم
نزر الكلام من الحياء تخالهضمناً وليس بجسمه سقم
المعادن: جمع المعدن، وهو من عدن بالمكان إذا أقام عدنا وعدوناً، وقيل: بل هو من قولهم عدنت الحجر، إذا قلعته، لأن المعدن يقلع منه ما ضمن، ويرتجع منه ما اودع. وفي القرآن: " جنات عدن "، أي جنات إقامة. والمراد أن البيوت الناس وأصولهم مختلفة المسبر، متفاوتة المخبر، تتفاضل تفاضل المعادن، ونجار هذا الرجل أفضل النجر فهو كالذهب الإبريز. ويقال: هو من نجر كريم ونجار كريم، أي أصل كريم. وقوله وكل بيوته ضخم أي هو من أطرافه: أعمامه وأخواله، عظيم الشأن نبيه. وإنما قال ضخم لأن المراد بكل الاتحاد، أي كل واحد من بيوته. ومثل كل كلا لأن كلا يراد به مرة الجميع ومرة الاتحاد، وكذلك كلا يراد به مرة التثنية ومرة الاتحاد. وقد ذكرت أمرها مشروحاً في غير هذا الكتاب.
وقوله عقم النساء أصل العقم المنع، ويقال: عقمت المرأة وعقمت الرحم عقماً بضم العين فعقمت، وهي معقومة بناء على عقمت، وعقيم بناء على عقمت، ولهذا يجمع عقيم على عقم، لأنه فعيل بمعنى فاعل، ولم يلحق به الهاء للمؤنث لأن المراد به النسبة، فهو كقولهم طالق وحائض. ولو كان عقيم كجريح وصريع في أنه فعيل بمعنى مفعولة لوجب أن يقال في الجمع عقمى، كما قيل جرحى وصرعى. ويقال: رجل عقيم، وريح عقيم، والدنيا عقيم، والملك عقيم.
ومعنى البيت أن هذا الرجل لا شبيه له فضلاً وتفضلاً، وكمالاً وتبرعاً، لأن النساء منعن أن يأتين بمثله فعقمن، أي صرن كذلك. وقوله متهلل بنعم، يريد بلفظ نعم. وجعل نعم اسماً، أي هو بش طلق الوجه قريب المأخذ، مجيب فيما يسأل، وعند كل ما يطلب منه ويقترح عليه، بقوله نعم، وهو متهلل، أي ضاحك مستبشر. وقوله بلا متباعد أي يتباعد عن كل أحد بأن يصك في وجهه فيما يطلب نيله منه بأن يقول لا، ولا جعله كالإسم. فنعم كأنه اسم الإسعاف، ولا كأنه اسم المنع والدفاع. وقوله سيان منه الوفر والعدم أي مثلان عنده الغنى والفقر لا يخل بالمعهود منه، ولا يترك عادته فيه. وقوله نزر الكلام من الحياء، أي هو قليل الكلام حتى كأنه ملجم لغلبة الحياء عليه، وحتى يظن من لا يعرفه أنه لآفة يترك الكلام، ولا آفة ثم، إنما مانعه ما يمتلكه من حياء ممتزج بالكرم، ولقلة رضاه عن نفسه في كل مايرتئيه أو يأتيه، إذ كانت طباعه لا ترضي عنه بشيء يبلغه، فالحياء يمسكه، والكرم يسكته. لا تحمد منه ولا تبجح. ولا تسحب ولا تعلى. ومثل هذا قول الاخر:
راحوا تخالهم مرضى من الكرم
والضمين: الزمن، ومصدره الضمانة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع