تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال ابن عنقاء الفزاري

رآني على ما بي عميلة فاشتكىإلى ماله حالي أسر كما جهر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة
دعاني فآساني ولو ضن لم ألمعلى حين لا باد يرجى ولا حضر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة
فقلت له خيراً وأثنيت فعلهوأوفاك ماأسديت من ذم أو شكر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة

يقول: راعي حالي عميلة وتأملها على ما بها، فأنهى رثاثتها واختلالها إلى ماله، متحملاً الشكوى منها على قلبه ونفسه ظاهراً وباطناً، ومسراً ومعلناً، لا يشوبه مداجاة ولا نفاق، ولا يتخلل فعله مخاتلة ولا رياء، بل اعتنى بها على خلوص نية، واهتمام بإحسان مع نقاء طوية. وقوله دعاني فآساني، يقول: ابتدأ في تغيير حالي، وإزالة ما مسني من فقري من ذات نفسه، فجبرني وانتاشني، ولو سعى سعي غيره من البخلاء لم يلحقه مني عيب فيي وقت قد تساوى الناس في المنع واطراح الحقوق حتى لاذو البدو

يرجى ولا ذو الحضر. وقوله ولا حضر حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وهذا كما يقال: الجود حاتم، يراد جود حاتم. وكان الوجه أن يقول: ولا حاضر، مع ذكر البادي، ليكون الكلام أشد التئاماً، أو يقول: فلا بدو يرجى، مع قوله ولا حضر. وقوله فقلت له خيراً، يقول: شكرته على اصطناعه، وأثنيت على فعله، وكثرته في الناس ما تكلفه لي وتبرع به ونشرته. وقد وفاك حقك في الآسداء من حمدك، كما وفاك في المكافأة من أسأت إليه إذا ذمك. وكان وجه الكلام أن يقول: وأوفاك ما أسديت أو أسأت من ذم أو شكر، فاقتصر على ذكر الإسداء وإن كان يستعمل في الخير لا غير. وأصله من السدى وهو ندى الليل خاصة. يقال: سديت ليلتنا، إذا كثر نداها، ولا يكاد يستعمل في النهار. قال:

فأنت الندى فيما ينوبك والسدى

وقيل أصله من السدو، وهو التذرع في المشي اتساع الخطو. يقال: سدى البعير وأسدتيه، والأول هو الصواب.

ومثل قوله وافاك ما أسديت من ذم أو شكر قول الآخر:

فما أدري إذا يممت أرضاًأريد الخير أيهما يليني

لأن المراد أريد الخير وأجتنب الشر، فاكتفى بذكر أحدهما، ألا ترى أنه قال من بعد:

أألخير الذي أنا أبتغيهأم الشر الذي هو يبتغيني وقوله وأثنيت فعله أصله على فعله، فحذف الجار ووصل الفعل نفسه.

غلام رماه الله بالخير مقبلاًله سيمياء لا تشق على البصر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة
كأن الثريا علقت فوق نحرهوفي أنفه الشعري وفي خذه القمر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة
إذا قيلت العوراء أغضى كأنهذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة

قوله رماه الله بالخير معناه كساه الخير ومسحه به مقبلاً فيه لا مدبراً. وقد كشف معنى الرمي بقوله: له سيمياء لا تشق على البصر، يريد ما عليه من حسن القبول والتمن من النفوس والقلوب، حتى إن المبصرين له يجدون راحة في النظر إليه، فلا تملها العيون، ولا تنطبق دونها الجفون. ومثل قوله: رماه الله بالخير في باب الاستعارة، قوله تعالى: " وألقيت عليك محبة مني ". والسيمياء أصله العلامة، ومنه الخيل المسومة. ويقال سيماء وسيمياء جميعاً. وانتصب مقبلاً على الحال. وتحقيقب معنى سيمياء أي قد وسمه الله تعالى بسيمياء حسنة مقبولة، يلتذ الناظر بالنظر إليها. وقوله كأن الثريا علقت فوق نحره، يريد أنه قد غشي من كل جانب بما ينوره، فالثريا فوق نحره، والشعري، يعني العبور، مركزة في أنفه، والقمر متلألىء في خده، فهو نور على نور. وقوله إذا قيلت العوراء أغضى، كأن يصف فيه اجتواءه للخنا والفحش، واطراحه لقبح القول، ورفضه لأنواع الهجر، فمتى ذكرت عنده فحشاء أطرق مغضياً، عاركاً بجنبه متحلماً، فكأنه ذليل لتغابيه، وترك المحاسبة فيه، ولو شاء لانتقم. وهذا غاية ما يكون من حسن الاحتمال، ومصابرة الناس على أذاهم، مع التعزز والاقتدار.

آخر:

سأشكر عمراً إن تراخت منيتيأيادي لم تمنن وإن هي جلت
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
فتى غير محجوب الغنى عن صديقهولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
رأى زلتي من حيث يخفي مكانهافكانت قذى عينيه حتى تجلت

يقول: إني سأنشر آلاء عمرو ونعمه عندي إن نفس من عمري، وتراخت غاية المقدار من منيتي، فإنها صافية من المن والأذى على جلالتها وفخامتها. وقوله لم تمنن يجوز أن يكون المراد ولم تقطع وإن عظمت، وقال ذلك لأن الأيادي السنية لا تكاد تتناسق. ويقال: حبل منين وممنون. وفي القرآن: " لهم أجر غير ممنون ". ويجوز أن يكون المراد به لم يخلط بمن.

وقوله فتى غير محجوب الغنى، أخذ يصفه. وارتفع فتى على أنه خبر مبتدأ محذوف، والمعنى هو يشرك صديقه في غناه مدة مساعدة الزمان له، فإن تولى الأمر وزلت النعل تراه لا يتشكى ولا يتألم. وهذا مثل قول الآخر:

أبو مالك قاصر فقرهعلى نفسه ومشيع غناه
للشاعر المتنخل، من قصيدة «لعمرك ما إن أبو مالك»

ويقال في الكناية عن نزول الشر وامتحان المرء: زلت القدم به، كما يقال: زات النعل به.

وقوله رأى خلتي من حيث يخفى مكانها زائد على ما تقدم من قول ابن عنقاء الفزارى، وهو:

رآني على ما بي عميلة فاشتكىإلى ماله حالي أسر كما جهر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة

وذاك لأن هذا قال: رأى خلتي من حيث يخفى مكانها، فكأنه أدرك الحال، من طريق الاستدلال، والاهتمام المبعوث من جودة التفطن، وإن كان صاحبه يتعفف عن السؤال ويتجمل، وابن عنقاء شاهد الحال عياناً، فاشتكى إلى ماله سراً وجهراً، وقال هذا بإزاء الاشتكاء: فكانت قذى عينيه، أي من حسن الاهتمام ما جعله كالداء الملازم له، حتى تلاقاه بالإصلاح، وإذا كان كذلك فموضع الزيادة في كلامه وقصده ظاهر.

آخر:

إن أجز علقمة بن سيف سعيهلا أجزه ببلاء يوم واحد
لأحبني حب الصبي ورمنيرم الهدي إلى الغنى الواجد
ولقد نضحت مليلتي فتميثتعن آل عتاب بماء بارد

يقول: إن رمت القيام بواجب سعى علقمة لي، وأديت المفروض لحسن بلائه عندي، لم أقابله على صنيعة واحدة، ولا جازيته لبلاء معمة فاردة، لأن أياديه عندي كثيرة متظاهرة، وآلاءه لدى متواترة متناصرة، فوالله لقد أحبتني كما يحب الصبي، وأصلح من أموري ما يصلح من شأن العروس إذا زفت إلى الموسر الغنى، فتضاعف مؤنها، وتزايد التكاليف في هدائها وتحويلها. فقوله لأحبني، اللام جواب يمين مضمرة، وغنما قال: حب الصبي لأنه يخلط بمحبته زيادة الشفقة، وكفالة الترفرف عليه والمرحمة.

وسئل بعض حكماء العرب عن أحب أولاده إليه فقال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يقدم، والعليل حتى يبرأ. وإذا تأملت وجدت حال الغائب والعليل كحال الصغير فيما ذكرت، فلذلك جمعها في قرن الذكر. وقوله: ولقد نضحت مليلتي يريد. ولقد رششت غليلي من آل عتاب وما امتله نار وجدي من أحشائي وصدري بماء بارد، فكنت وزال حميمها، حتى كأنها لم تكن. وإنما قال ذلك لأن آل عتاب كانوا وتروه فاشتد برح حميه واتسع قرح وتره، فأعانه على إدراك الثأر علقمة بن سيف، وشفاه من دائه. وإذا تؤمل ما عدده من أياديه لديه حصل فيه الميل والإكرام، والبر والإنعام، وإصلاح الحال، والمؤاساة بالمال، والشفاء من الداء، والانتقام من الأعداء، وذلك مالا مزيد عليه. ومعنى تميثت تذللت وتذوبت. ويقال: ميثت الشيء، إذا مرسته. والنضخ بالخاء المعجة ابلغ من النضح.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.