تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال مرة بن محكان

يا ربة البيت قومي غير صاغرةضمي إليك رحال القوم والقربا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة
في ليلة من جمادى ذات أنديةلا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة
لا ينبح الكلب فيها غير واحدةحتى يلف على خرطومه الذنبا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «لا ينبح الكلب فيها غير واحدة»

خاطب امرأته، وبعثها على القيام للاحتفاف بالنازلين من الأضياف. وقوله: غير صاغرة، يقال: صغر يصغر صغاراً، إذا ذل وهان؛ وصغر يصغر صغراً: ضد كبر. والقرب: جمع قراب، وهو جراب واسع يصان فيه السلاح والثياب.

وقوله في ليلة، إن شئت جعلت الجار متعلقاً بضمي، وإن شئت جعلته متعلقاً بقومي. والأجود في الجمع بين الفعلين في باب الأمر أن يدخل الثاني حرف العطف، كقول الله ﷿: " قم فأنذر. وربك فكبر "، وادن فاكتب، وما أشبه ذلك. وهذا قال: قومي غير صاغرة ضمي إليك، ولم يأت بالعاطف فيه، وهو جائز. وانتصب غير على الحال. وجعل الليلة من ليالي جمادى لأنها من شهور البرد، والمراد في ليلة من ليالي جمادى ذات أنداء وأمطار. وكانوا

يجعلون شهر البرد جمادى وإن لم يكن جمادى في الحقيقة، كأن الأسماء وضعت في الأصل مقسمة على عوارض الزمان، والحر والبرد، والريح والمطر، وتبدل الفصول، ثنم تغيرت فصارت تستعار. وقوله ذات أندية، تكلم الناس فيه، لأن جمع الندى أنداء. قال الشاعر:

إذا سقط الأنداء صينت وأشعرتحبيراً ولم تدرج عليها المعاوز

فكان أبو العباس المبرد يقول: هو جمع ندى المجلس. وكان أماثل الناس وأغنياؤهم إذا اشتد الزمان وجد القحط والجدب يجلسون مجالس يدبرون أمر الضعفاء، ويفرقون فيها ما حصل عندهم من فضل الزاد، وينصبون الميسر، وينحرون الجزر متبارين فيها ومتباهين. فيريد: في ليلة توجب ذلك وتقضي به. وقال غيره: هو جمع ندى، كأنه جمع فعلاً على فعال، ثم جمع فعالاً على أفعلة، كأنه ندى ونداء، ثم جمع النداء على الأندية ككساء وأكسية، ورواق وأروقة. وقيل أيضاً: هو شاذ استعير ما للممدود للمقصور. وهو يفعلون ذلك في المباني كما يفعلون في الألفاظ. قالوا: ومثله قفاً وأقفية، ورحى وأرحية. وهذا مما حكاه الكوفيون. وقال بعضهم: هو أفعله بضم العين، كأنه جمع فعلاً على أفعل، كما قيل زمن وأزمن، فجاء ندى وأند، ثم ألحق الهاء لتأنيث الجمع، كما تقول بعولة وحجارة، فصار أندية، ويكون في هذا الوجه شاذاً أيضاً. وقوله: لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا، فيه مبالغة في وصف الظلمة وتراكمها. والطنب: حبل البيت. والكلب قويالبصر، فإذا بلغ أمره إلى ما وصفه فذاك لتكامل الظلام وامتداده. لذلك قال الآخر:

أناس إذا ما أنكر الكلب أهلهحموا جارهم من كل شنعاء معضل
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «إذا دعاهن ارعوين لصوته»

وقد قيل في هذا البيت وجه آخر. وموضع الجملة على الصفة لليلة، فهو جر، وساغ ذلك فيها لاحتمالها ضميرها، وكذلك قوله لا ينبح الكلب فيها غير واحدة. وانتصب غير على أنه مصدر، وأراد غير نبحة واحدة، ولما لم يجيء إلا مضافاً ولم

يكن له معنى إلا مخالفة ما يضاف إليه جاز أن يجيء فاعلاً، ومفعولاً، وحالاً، وظرفاً، ووصفاً، واستثناءً، ومصدراً. وقوله: حتى يلف انتصب الفعل بإضمار أن. وحتى بمعنى إلى، كأنه قال: إلى أن يلف الذنب على خرطومه، أي لا ينبح إلى أن يلف الذنب على خرطومه، أي لا ينبح إلى أن يلف الذنب إلا نبحة. ولو رفعت الفعل فقلت: حتى يلف لجاز ذلك، ويراد به الحال، والمعنى أن يكون الفعل الثاني متصلاً بالأول، أي لا ينبح إلا نبحة فهو يلف الذنب. وعلى هذا قولك: سرت متصلاً بالأول، أي لا ينبح إلا نبحة فهو يلف الذنب. وعلى هذا قولك: سرت حتى أدخلها، فقرن السير بالدخول، ومعناه أنه خرج من السير إلى الدخول، إلا أنه يخبر أنه في حال دخول، فمعناه كمعنى الفاء إذا قلت: سرت فأنا أدخلها، أي هذا متصل بهذا.

ماذا ترين أندنيهم لأرحلنافي جانب البيت أم نبني لهم قببا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة
لمرمل الزاد معنى بحاجتهمن كان يكره ذماً أو يقي حسبا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة

أقبل يشاورها ويستقي الرأي من عندها، ويبعثها على تعرف الحال منهم فيما يرافقهم ولا يخرج من مرادهم ورضاهم.

وقد تقدم القول في لفظة ماذا مشروحاً.

وترين: أصله ترأيين، لأنه تفعلين، فحذف الهمزة استخفافاً بعد أن ألقي حركتها على الراء، فصار تريين ثم قلبت الياء الأولى ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فاجتمع ساكنان، وحذفت الألف منهما فصار ترين. والمعنى: أخبريني بعد رجوعك إليهم ماذا نأتيه في شأنهم، وما الذي يرونه في إقامتهم وظعنهم، فإن أرادوا إطالة اللبث بنينا لهم قباباً يتفردون فيها، فذاك آنس لهم، وأبقى لحشمتهم؛ وإن أرادوا تخفيف اللبث خلطناهم بأنفسنا، وأدنيناهم من رحالنا في جوانب بيوتنا، لأن الصبر مع خفة التلوم منهم على ما يعترض من أحوالهم ممكن.

وقوله: لمرمل الزاد تعلق اللام بقوله: ماذا ترين، كأنه أعاد الذكر فقال: وذا السؤال والاستشارة من أجلهم، ولمكامنهم. والمرمل: الذي قد انقطع زاده. ويجوز أن يكون لمرمل الزاد بدلاً من المضمرين في نبني لهم، وقد أعاد حرف الجر معه.

وقوله: من كان يكره موضعه رفع بمعنى، كأنه قال: ذاك مني لمنقطع به، يعني بحاجته، من كان كارهاً لذم الناس، أوصائناً لشرفه. كأنه بين العلة في العناية به.

وقمت مستنبطاً سيفي وأعرض ليمثل المجادل كومم بركت عصبا
فصادف السيف منها ساق متليةجلس فصادف منه ساقها عطبا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة
زيافة بنت زياف مذكرةلما نعوها لراعي سرحنا انتحبا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة

انتصب مستبطناً على الحال من قمت، والمعنى: شغلت ربة بيتي بما رتبت من أمرهم، وقمت أنا حاملاً سيفي ومتقلداً له. ويقال: استبطنت فلاناً دونك، أي خاصصته؛ وتبطنت كذا: ودخلت فيه حتى عرفت باطنه. وقوله: أعرض لي أي أبدى عرضها لي نوق كأنها قصور، كمال جسم وبلوغ سمن. والكوم: جمع أكوم وكوماء، وهي العظام الأسمنة. وقوله: بركت إنما ضعف عين الفعل على التكثيرأو التكرير. وجعل إبله فرقاً باركة لشدة البرد، كما قال أبو ذؤيب الهذلي:

واعصوصبت بكراً من حرجف ولهاوسط الديار رذيات مرازيح
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «نام الخلي وبت الليل مشتجرا»

وانتصب عصباً على الحال، وهو جمع عصبة.

وقوله: فصادف السيف منها ساق متلية أراد: عرقب ناقة منها. والمتلية هي التي لها ولد يتلوها، وقيل هي الحامل. والجلس: الصلبة المشرفة وقيل هي الواسعة الأخذ من الأرض. ومعنى: صادف منه، أي من السيف. والمعنى أن السيف والساق تصادما، فأبان السيف الساق منها. والزيافة، هي التي تزيف في مشيتها وتتبختر. جعلها بنت زياف استكراماً لعرقها وجوهرها. والمذكرة: التي تشبه الذكورة في خلقتها. وقوله: لما نعوها، الفاعلون هم الناس ولم يجر لهم ذكر، لكن المراد مفهوم فأضمره. أي بما ذكر الناس ما جرى عليها لراعي سرحنا، أي راعي مالنا السارحة

بكى بكاء فيه نحيب وصوت، ضنا بمثلها، وتحزناً لما فات منها، ولأن لبنها كان يبقى على محاردة الإبل، وشدة اللزبة.

والعطب: الهلاك، ويقال: عطب البعير، إذا انكسر.

أمطيت جازرنا أعلى سناسنهافصار جازرنا من فوقها قتبا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة
ينشنش اللحم عنها وهي باركةكماتنشنش كفا قاتل سلبا
للشاعر مُرَّة السعدي، اقرأ القصيدة

يقال: امتطيت البعير، إذا ركبت مطاه، وهو الظهر، وأمتطيته غيري. وإنما يصف إشراف الناقة التي وصفها، فيقول: ركبها جازرنا لما نحرها، إذ كان أعلى سنامها لم تصل يده فصار منها لما علاها بمكان القتب حتى كانها مقتبة. والسناسن: أعالي السنام والخارج من فقار الظهر، واحدتها سنسة. ومعنى ينشنش يكشف ويفرق. وقيل: النشنشة معاسرة الشيء حتى تأخذه كما تريد. يقول: ركب مطاها لما يبلغ سنامها لعظمها ولم يمكنه أن يكشط الجلد عنها، فأقبل يقطع اللحم عنها وينتزعه منها، فعل القاتل السالب لثياب المقتول وسلاحه. وهذا تشبيه حن جاء على حقه. ورواه بعضهم: كما تنشنش كفا فاتل سلبا، وقال: شبه نشنشته بنشنشة فاتل الحبل من السلب، وهو نبات يخرج على صورة الشمع وعلى قدره، فيجز ويفتل منه الحبل. وبائعها ومتخذها السلاب.

هكذا حكاه أبو حنيفة الدينوري، والرواية الأولى أجود وأكثر مشابه.

وقلت لما غدوا أوصي قعيدتناغدى بنيك فلن تلقبهم حقبا
للشاعر مُرَّة السعدي، اقرأ القصيدة
أدعى أباهم ولم أقرف بأمهموقد عمرت ولم أعرف لهم نسبا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة
أنا ابن محكان أخوالي بنو مطرأنمي إليهم وكانوا معشراً نجبا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة

قوله: لما غدوا أي هموا بالارتحال غدواً، لأن لما علم الظرف. وأوصى في موضع النصب على الحال، وتقديره: موصياً قعيدتنا. ومفعول قلت قوله غدي بنيك. والمعنى بالغي في تفقد أضيافك في هذه الغداة، فإن لقاءهم سيتأخر زماناً ممتداً. والحقب: السنون، واحدتها حقبة. والمعنى عدي الإحسان إليهم نهزة تفترصينها، وزاداً من اإحسان تدخرينها، فإنه لا يدري متى تظفرين بأمثالهم، وهل يكون فيما بقي من الزمان لهم عودة إلينا.

وإنما قال: أدعي أباهم، لأنه يقال للمضيف: أبو المثوى، وللمضيفة: أم المثوى. ولم أقرف بأمهم أي لم أتهم. والقرفة؛ التهمة. ومعنى عمرت: بقيت حياً. وقصد الشاعر أن ينبه على أنه لا عواطف بينهم، ولا أواصر تجمعهم، وقد التزم ما التزم لهم تكرماً واصطناعاً. ثم نبه على طرفيه فقال: أخوالي بنو مطر أنتمي إليهم وهم منجبون، وأعمامي بالفضل والإفضال معروفون، ونجل الجواد جريه يتقيل.

آخر:

ومستنبح قال للصدى مثل قولهحضأت له ناراً لها حطب جزل
فقمت إليه مسرعاً فغنمتهمخافة قومي أن يفوزوا به قبل
فأوسعني حمداً وأوسعته قرىوأرخص بحمد كان كاسبه الأكل

قوله ومستنبح يريد به رجلاً ناكده الزمان في صفره، أو لم تساعده الحال فيه على مؤنه، فاستنبح كلاب الأحياء ليهتدي إليهم، فأقبل الصدى يحاكيه، ويؤدي إليه مثل صوته. ومعنى حضأت له ناراً فتحت عينها لترتفع وتلتهب وقد أوقدت بغلاظ الحطب وكبارها، فقمت إلى الضيف متعجلاً، واستغنمت خدمته مسارعاً لئلا أبادر إليه فيغتمنه غيري، ويفوز به سابقاً لي. وقوله حضأت له ناراً، جواب رب.

وانتصب مسرعاً على الحال، ومخافة قومي مفعول له، أي فعلت ما فعلت لهذه العلة فأكثر الضيف من إطرائي وتزكيتي، وشكري وتقريظي، وأكثرت القرى له محتفلاً ومتكثراً، ومتودداً ومتكرماً، وما أرخص حمداً جالبه أكل، وكاسبه إطعام. وقوله كان كاسبه أكل جعل النكرة اسم كان، والمعرفة خبراً. وابهام الحاصل من التنكير في هذا الموضع أبلغ في المعنى المستفاد. ومثله قول النابغة:

كأن مدامة من بيت رأسيكون مزاجها عسل وماء

وإن شئت رويت: وأرحص بحمد كان كاسبه الأكل؛ وأمره ظاهر.

آخر:

تركت ضأني تود الذنب راعيهاوأنها لا تراني آخر الأبد
الذئب يطرقها في الدهر واحدةوكل يوم تراني مدية بيدي

قوله تود الذئب راعيها، لك أن تقول: عدي تود إلى المفعولين، ويسوغ ذلك فيه أنه عطف على مفعوله الأول قوله وأنها لا تراني آخر الأبد، ويكون التقدير لكشفه: وتود أنها لا تراني أبداً. ويشهد لهذا قول الآخر:

وددت وما تغني الودادة أننيبما في ضمير الحاجبية عالم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وَدِدْتُ وَمَا تُغْنِي الودَادَة ُ أَنَّني»

ألا ترى أن وقوع أن بعده يقرب الأمر في تعديه إلى مفعولين، وأن يجري مجرى أفعال الشك واليقين، كما تقول ظننت أن زيداً منطق، وأصحابنا النحويون بمثل هذا الاستدلال حكموا على زعمت بأنه يتعدى إلى مفعولين. ولا يمتنع أن يكون راعيها في موضع الحال، والمراد راعياً لها، ويتعدى تود حينئذ إلى مفعول واحد. والمعنى أن ضأني تتمنى أن يكون مدبرها في الرعية أعدى عدو لها، وتخرج من ملكتي وملكي، حتى لا أراها آخر الدهر، وذلك أن عدوها ينفع معه الحذر، بل لا يكاد يتمكن من الاضار بها طول الدهر إلا مرة واحدة، وذلك لعارض إهمال أو اتفاق سيء وإغفال، أو لما هو عادة الزمان في انتهاء الآماد من الإرصاد، وهي لا تحترز مني إذا أردتها وإن اجتهدت، ولا تطيق دفعها لي وإن احتفلت.

وقوله الذئب يطرقها هو بيان سبب تمنيتها وكشف العلة في تفاديها من أن تكون في ضمن سياسته لها. وانتصب واحدة على الظرف، مرة واحدة، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، كأنه أراد طرقةً واحدةً. وقوله وكل يوم هو ظرف لقوله تراني حاملاً مدية لها، ومتهيئاً بآلة ذبحها. وإن شئت رويت مدية، ويكون بدلاً من المضمر في تراني، وهذا البدل هو بدل الاشتمال، أي ترى مدية. فأما وجه الرفع، فالضمير الذي استغنى عن الواو المعلقة للجمل بما بعدها وهي صفات أو أحوال، لأن الضمير يعلق كما يعلق العاطف. وفي الوجه الثاني وهو البدل مثله قول الله تعالى: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ".

آخر:

ما أنا بالساعي إلى أم عاصملأضربها إني إذاً لجهول
لك البيت إلا فينة تحسنينهاإذا حان من ضيف على نزول

قوله لأضربها اللام منها لام كي. فإن قيل: كيف يكون كذلك وفي صدر الكلام ما النافية، ولم لا يكون لام الجحود؟ قلت: لام الجحود تقع بعد ما كان وما تصرف منه، كقول الله تعالى: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ". وكقولك: ما كنت لأشتمك، لأنه جواب قول قائل: كنت ستشتمني، فأجيب: ما كنت لأشتمك، ولهذا لم يظهر معه لأن الناصبة للفعل وإن جاز ظهورها مع لام كي. وإذا رقع لغواً لافتقار ما قبلها إلى ما وقع بعدها. والجهول: الكثير الجهل وبناؤه للمبالغة. وهذا الكلام خارج على سبب، كأنه رأى إنساناً يضرب امرأته ويحول بينها وبين تدبيرها دارها، فنفى عن نفسه مثل ذلك بعد ان اعتقد فيه أنه يقتدي به حتى كأنه أجاب من قال له: أكنت لتضرب أم عاصم؟ فقال: ما انا بالساعي لذلك. وبين أن ذلك يفعله المتناهي في الجهل والغباوة. وقوله لك البيت إلا فينة حكى أو زيد أن قولهم فينة مما يعتقب عليه تعريفان: أحدهما بالوضع، والآخر بالآلف واللام، ومثله شعوب والشعوب، والمراد به المنية، كما أن المراد بالفنية الوقت. كأنه أقبل على امرأته فقال: إليك تدبير البيت ولك الأمر فيه نافذاً إلا وقتاً تحسنين فيه، وهو وقت حين نزول الضيف فيه علي، لأنه من أجله يجب أت تحسني إليه فيه، وتدبري له لا عليه، لأن البيت كأنه له ونحن من حوله. وقوله تحسنينها قدر الظرف تقدير المفعول الصحيح، كما قال:

ويوم شهدناه

وما أشبه. ويروى بعضهم: إلا فينة تحسبينها أي تظنين فيها أنه لغيرك لا لك، ويكون على هذا قد حذف مفعولاً يحسب وشغل بضمير الفينة. والمعنى في ذلك: تجعلين النظر له والتجمل، والاحتفال بسببه. وانتصب إلا فينة على الاستثناء

من واجب، كأنه قال: لك البيت كل وقت وساعة إلا ساعة كذا. وهذا الاستثناء من معنى لك البيت، ومما انطوى عليه فحوى الكلام. وقوله إذا حان من ضيف على نزول موضعه نصب على أنه بدل من فينة. وإنما قال إذا حان لأن الاستعداد والاحتشاد يتقدمان النزول.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.