تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

ومستنبح بات الصدى يستتيههإلى كل صوت فهو في الرحل جانح

يعني بالمستنبح ضيفاً ألجأه الضلال عن الطريق ليلاً، أو دعاه ضيق الوقت وجهد المسير منفضاً إلى أن يتكلف نباح الكلب وحكايته، لتجاوبه كلاب الحي المتوهم نزولهم في سمته ووجهته فيهتدي إليهم بصياحها، ويستعين بهم على ضره وحيرته. وهكذا كان يفعله الضال والمقرور في ظلام الليل. وكانوا إذا قربوا من البيوت المظنون دنؤها، أو المعلوم حلولها، ريما حملوا رواحلهم على الرغاء أو البغام، إيذاناً بأنفسهم. ولذلك جاء في الأمثال السائرة: " كفى برغائها منادياً ". وأصله أن بعض المتعرضين للقرى أرغى ناقته فلم يتلق بالاستنزال، فجعل يذم، فقيل: لو ناديتهم ليعلموا بك؟ فقال: كفى برغائها منادياً. وقال متمم:

وضيف إذا أرغى طروقاً بعيرهوعان ثوى في القد حتى تكنعا
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

وقوله بات الصدى يستتيهه، الصدى: صوت يرجع إليك من الجبل أو مما يجري مجراه في رد الصوت. يريد: أنه لما استنبح صار الصوت الراجع إليه يحمله على أن يتيه إلى كل صوت يدركه متبيناً للصدى من غير الصدى لكي يؤديه ما يبين له

الى مطلوبه من حي أو ما سبيله سبيلهم. وجعله في الرحل مائلاً لغلبة النوم عليه، أو لتهيئه لإدراك الصوت. ويقال: جنح يجنح جنوحاً، إذا مال. ومعنى يستتيهه إلى كل صوت جعل الفعل مضافاً إلى الصدى لغلبته عليه، واعتقاده في كل صوت أنه هو، فقد صار تائهاً إليه.

فقلت لأهلي ما بغام مطيةوسار أضافته الكلاب النوابح
فقالواغريب طارق طرحت بهمتون الفيافي والخطوب الطوارح

رجع إلى أهله في التعرف لما غشيه بغام بعير الطارق، فقال سائلاً: ما بغام مطية. وما يستفهم به عما دون الناطقين، وعن صفات الناطقين. فكأنه سأل عن صفات الساري وعما أدركه من صوت المطية. وجعل الكلاب مضيفة للساري لاستنباحه ولإجابتها إياه.

وقوله غريب طارق هو بيان ما سأل عنه من صفة الساري، واكتفى بوصفه لأن البغام وإن سئل عنه أيضاً فهو من توابع الساري. ومعنى طرحت به رمت به. ومتون الفيافي: جمع متن، وهو ما ارتفع وغلظ من الأرض. وكل صلب غليظ متين. ويقال: ما تنت الرجل، إذا فعلت من ذلك ما يفعله. ومتن بالمكان: أقام به. وقوله: طرحت به المتون والخطوب، فيه دلالة قوية على ضلاله وضره وإنفاضه. ويروى: طوحت به و: الخطوب الطوائح. وكان يجب أن يقول: والخطوب المطوحات في الجمع بالألف والتاء، لأن اسم الفاعل من طوح مطوح، ولكنه أخرج الطوائح على حذف الزيادة من الفعل. ومثله قوله ﷿: " وأرسلنا الرياح لواقح "، لأن أصله أن يجيء على ملاقح أو ملقحات، لكونها ملقحة للأشجار. والفعل منه ألقح، فأخرجه على حذف الزوائد فصار لقح ولواقح. وكذلك الطوائح قياسه أن يكون إذا عدل عن الجمع بالتاء: مطاوح. وارتفع غريب على انه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو غريب طارق. ومعنى طوحت به: حملته على ركوب المهالك. والطائح: الهالك، والذاهب الفاني. ويقال: تطاوحنا الأمر بيننا، كما يقال تطارحنا

فقمت ولم أجثم مكاني ولم تقممن النفس علات البخيل الفواضح
وناديت شبلاً فاستجاب وربماضمنا قرى عشر لمن لا نصافح

يقول: لما بان لي أمر الضيف الطارق قمت من مكاني مستعجلاً غير متلوم، حرصاً على إصلاح أمره، وتوطيد محله. ويقال: جثم مكانه وفي مكانه بمعنى. والجثوم، أصله إلصاق الصدر بالأرض ولزومها، ويستعمل كثيراً في الطير والسباع. والجثمان: الشخص منه اشتق. ومعنى لم تقم مع النفس علات البخيل يريد أن نفسي لما تهيأت للإضافة وتشمرت لم تقم معها العلات التي تفضح أربابها، والمعاذير التي تحسن التفريط في اللوازم عند مستعدها. وجعل العلات تفضح لما يتعقبها من ذميم القالة، وتضييق المعذرة، وتجاوب الناس في الإنكار إذا كانت العلل كاذبة، ووجوه التنصل مسودة. وقوله وناديت شبلاً يعني بشبل ابنه، يستعين به يقام من خدمة الضيف، فذكر أنه استجاب وتخفف منه. وذكر استجاب ها هنا أحسن من أجاب، وذاك أن قول القائل: دعوت زيداً فأجابني، كقوله: أمرته فأطاعني. وقوله: دعوته فاستجاب لي، أي تقبل ما قلته وطاوعني فيه. وعلى هذا يفسر أصحاب المعاني قوله تعالى: " فلسيتجيبوا لي وليؤمنوا بي ". وكذلك بيت كعب بن سعد:

وداع دعا يا من يجيب إلى الندىفلم يستجبه عند ذاك مجيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»

أي لم يذعن لدعائه أحد. ويقال: استجبته واستجبت له. وقوله وربما ضمنا قرى عشر أي التزمنا قرى عشر نسمة، ولا معرفة بيني وبينهم سابقة، ولا ما يوجب عند الالتقاء مصافحة. والقصد بقوله ضمنا إلى توطينهم النفس على توسيع القرى لمن لا حرمة له سوى حرمة الضيافة. ولا يمتنع أن يريد بقوله قرى عشر قرى عشر ليال، وهم إن أرادوها بأيامها يغلبون التأنيث. قال سيبويه: وتقول: سار خمس عشرة من بين يوم وليلة، لأنك ألقيت على الليالي، أنه قد علم أن الأيام داخلة مع الليالي. وعندهم أن لليل قبل النهار، فلهذا يؤرخون بها. وتقول: أعطاه خمسة عشر من بين عبد وجارية، لا غير،

لاختلاطهما. قال سيبويه: وقد يجوز في القياس خمسة عشر من بين يوم وليلة، وليس على حد كلام العرب.

وقوله لمن لا نصافح يجوز أن يكون من المصافحة المعروفة، ويجوز أن يكون من صفحت الناس، أي نظرت في أحوالهم.

فقام أبو ضيف كريم كأنهوقد جد من فرط الفكاهة مازح
إلى جذم مال قد نهكنا سوامهوأعراضنا فيه بواق صحائح

يعني بأبي الضيف نفسه، وهذا كما يقال: هو أو مثواي، وهي أم مثواي. وجعله كالمازح المفاكه لما أظهره من التطلق والبشاشة، وإظهار السرور بما يأتي من توفير الضيافة والاحتفال فيه، وإيناس الضيف والبسط منه، محتفاً بالضيافة. وارتفع مازح على أنه خبر كأن. وموضع وقد جد موضع الحال، كأنه قال: يشابه المازح من فرط الفكاهة وهو جاد، لأنه قاضي ذمام، وباني مكارم. ويقال: فاكهته بملح الكلام، وهي الفكيهة والفكاهة.

وقوله إلى جذم مال تعلق إلى بقام، ويريد بالقيام غير الذي هو ضد القعود، وإنما يريد به الأشغال له بما يؤنسه ويرحب منزله ويطيب قلبه. على ذلك قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة "، لأنه لم يرد القيام المضاد للقعود، بل أراد التهيؤ والتشمر له. والجذم: الأصل. ومعنى نهكنا سوامه أثرنا في السائمة من المال بما عودناها من النحر والتفريق. ويقال: نهكه المرض، إذا أضر به. وقوله: وأعراضنا فيه بواق صحائح، أي نفوسنا باقية على حدها من الظلف والصيانة، لم تشنها الأفعال الذميمة، ولا كسرتها التكاليف المبخلة، فهي سليمة لا آفة بها، ولا عار يكتنفها، وإن كانت أموالنا مشفوهة مقرفة.

جعلناه دون الذم حتى كلأنهإذا عد مال المكثرين المنائح
لنا حمد أرباب المئين ولا يرىإلى بيتنا مال مع الليل رائح

الضمير من قوله جعلناه، للمال، أي وقينا به أنفسنا من لوم اللائم، ودرن العائب. وقوله: كأنه المنائح، يريد أن إبلنا، وإن كانت ملكاً لنا، فهي كالعوارى عندنا، لما يتسلط عليها بأفعالنا من النقلة والتغييرات. والمنائح: جمع المنيحة، وهي

الناقة تدفع لينتفع بلبنها ما دام بها لبن، فإذا انقطع لبنها ردت. وإذا عد مال المكثرين، أشار به إلى قلة ماله. والمكثر: صاحب الكثير من المال، أي ما لنا في جنب المكثرين كذلك.

وقوله جعلناه دون الذم، يريد صيرناه دون الذم، فعلى ذلك يحتمل أن يكون ظرفاً، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، فيكون معنى دون الذم قاصراً عن الذم، فيبعد الذم عنا ولا يلحقنا، لأن مالنا يحول بيننا وبين الذم. ومعنى لنا حمد أرباب المئين، أي نكتسب بما لنا القليل حمد أرباب المال الكثير، أي الحمد الذي يكسبه أولئك هذا ولا يرى مال يروح إلى بيتنا مع الليل لأنها على قلتها باركة بالفناء، معدة للنوائب والحقوق، ولم تبلغ ما يصير منها سارحة ورائحة، وباركة بالفناء وسائمة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.