تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال زيد بن حصين

أقلي على اللوم يا ابنة منذرونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «أقِلِّي عَلَيَّ اللِّوْمَ يا ابْنَة َ مُنْذِرِ»
ألم تعلمي أني إذا الدهر مسنيبنائبة زلت ولم أتترتر

يخاطب لائمة له تبرم بلومها فقال: قللي من لومك علي ونامي عني، فإن تعذر النوم عليك ضجراً بالحالة التي تجمعنا فاسهري، فليس لك من عتبك مايرد نفعاً علي ولا عليك. ثم أخذ يقررها على قلة احتفاله بما يأتي به الدهر، فقال: أما علمت أن الزمان إذا مسني بحدثانه ذهب عني ولم أتردد في حيرته، ولم أتنكس في لواحق شره ونوائبه، بل أمضى قدماً على ما يمسني منه ويخصني، راضياً بما يقسم لي من عفوه، وملتزماً ما يعرض منه عند جهده.

وقوله زلت استعارة حسنة. كأن صبره على الشدة، وثباته في وجه المحنة، تزل النوب عنه كما يزل الماء الدنس عن الصخور، ويقال: قدح زلول، كما يقال للشيء السريع الدوران: درور. والتترتر: العجلة، فكأن المراد: زلت النائبة ولم تستخفني فكنت أعجل أو أتحول عما كنت عليه.

يراني العدو بعد غب لقائهخلياً نعيم البال لم أتغير

يقول: وإذا قاسيت من العدو مضارة ومناكدة فيما يتجاذبهومجاحشة، يراني بعد يوم لقائه بيوم وكأنه ما مسني أذى، ولا نالني مكروه، لأنه يجدني خلياً منعم البال، لم اتغير عما عهدت عليه قبل الامتحان به، ولم أتبذل. وقوله نعيم البال هو من الضوال التي وجدت الآن، وذاك لأن فعيلاً في معنى مفعل معدود محصور، وقد ذكرته في غير هذا الموضع وتقصيته. ونعيم البال من ذلك، يقال: أنعم الله بالك، وبال منعم ونعيم. ولا يمتنع أن يكون نعيم فعيلاً من نعم أو نعم عيشه، وأكثر ما يستعمل مصدراً. يقول: هو في نعيم لا يزول، وغذا كان كذلك فهو غريب إن جعلته اسم الفاعل، كقدم فهو قديم أو حزن فهو حزين؛ أو فعيلاً في معنى مفعل، كفرس حبيس ومحبس، وباب تريص ومترص. وانتصب خليا؟ ً على الحال من يراني، وهو الذي لا هم له. وفي المثل. ويل للشجي من الخلي وقد يكون في غير هذا المكان المخلى.

وراكدة عتبي طويل صيامهاقسمت على ضوء من النار مبصر
طروقاً فلم أفحش وقسمت لحمهاإذا اجتنب العافون نار العذور

يعني بالراكدة قدراً لانتصابها وبقائها على الأثافي. ويقال: ماء راكد، أي ساكن. وجعلها عتبى لغليانها كأنها تعتب وتشكو. وهذا من عتب عليه من الموجدة. يقال: عتبت عليه فأعتب. ويروى: غيري يكون من الغيرة، لأن صاحبها يحتد، فشبه غليانها بغليان الغيرى. وفي الحديث: " ردوني إلى أهلي غيري نغرة ". والصيام: القيام. ووصفه بالطول، فقال: طويل صيامها لكبرها. كأنه لا تنزل قريباً إذا نصبت.

وقوله قسمت على ضوء من النار مبصر، جعل الضوء مبصراً لما كان الإبصار فيه، على ذلك قوله تعالى: " وجعلنا آية النهار مبصرة ". وجعل قسمة القدر وهو يريد قسمة مرقها وما احتوت عليه ليلاً، وبضوء من النار، لشدة الزمان، وتناهي البرد، ولأنه وقت طروق الضيف. وقوله لم أفحش أي لم آت بفحش لا فعلاً ولا قولاً، ولم أقترف ما يقبح من الذكر ويستنكر. في السمع. وقوله إذا اجتنب العافون ظرف لقوله لم أفحش، وطروقاً ظرف لقسمت على ضوء، ويكون تقدير البيتين: وراكدة طويلة القيام قسمت مرقها ظلاماً وقت طروق العفاة والأضياف، وبددت لحمها، ولم أت بفحشاء، في وقت يتسرع الضجر من كثرة الوارد وازحام الأشغال إلى من كان سيء الخلق، سريع التغير، حتى اجتنب ناره، وزهد في ضيافته. وجعل لنفسه قسمين كان أحدهما للمرق على الثرد، والثاني لفدر اللحم. وعلى الأول قول الاخر:

وسع بمدك ماء اللحم تقسمه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.