من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال حزاز بن عمرو، من بني عبد مناف
لنا إبل لن تهن ربهاكرامتها والفتى ذاهب
هجان تكافأ فيها الصديقويدرك فيها المنى الراغب
ونطعن عنها نحور العدىويشرب منا بها الشارب
قوله لنا إبل لم تهن ربها كرامتها، يريد: أنا نوئر إكراماً للنفوس وصيانتها على إكرام المال وصيانته، لأن الأموال إذا لم تجعل واقية للنفس جلبت العار وكسبت
الشنار، فنحن نهينها ونبتذلها صوناً للنفس، ولئلا يكون المال كالمالك لنا، إذ كان عمر الفتى عارية مستردة، فهو هالك وإن أمهل مدة، وما يقدمه يذكر به، فصيانة مروءتنا من أن ترث أو تهون، أجدى وأوجب من صيانة المال وتثميرها والضن بها. وقد اعترض بقوله والفتى ذاهببين الصفة والموصوف، لأن قوله هجان من صفة الإبل، كما ان لم تهن ربها من صفتها أيضاً. ولولا تأكد الجملة به لكان يقبح مافعل، لكون الاعتراض أجنبياً مما قبله وبعده. والهجان يقع على الواحد والجميع، وذلك أن فعالاً كما يكون جمعاً لفعيل، نحو ظريف وظراف، وكريم وكرام، وكبير وكبار، كسروا عليه فعالاً أيضاً، فقالوا: درع دلاص وأدرع دلاص، وبعير هجان وإبل هجان، لأن فعيلاً متواخيان في أنهما من الثلاثي، وفي موقع الزائد منهما، وفي عدد حروفهما، فيتشاركان في أحكامهما، وإذا كان كذلك فهجان وهو للواحد، كضناك وكناز وماأشبههما، وهجان وهو للجميع، كظراف وكبار. وقال: سيبويه: يدلك على أن هجاناً ليس كالمصادر التي وصف بها نحو ضيف وجنب وزور وماأشبهها، أنك تقول هجانان فتنتيه، وإذا كان مرصداً للتثنية فهو للجمع كذلك. ومعنى تكافأ فيها الصديق تماثل، من الكفء المثل في المال والحسب وغيرهما. والمراد بالصديق الجنس، يريد يتساؤون فيها، لا استئثار منا بشيء منها دونهم ولا تفرد، بل كل منا ومن الأصدقاء يتصرف فيه على مراده نافذاً أمره، وبالغاً حكمه. وقوله ويدرك فيها المنى الراغب، أراد الراغبين، أي إن العفاة وطلاب الخير إذا نزلوا بساحتنا نالوا أمانيهم منها كاملة لا يتخللها خرم، ولا يتسلط عليها ثلم.
وقوله ونطعن عنها نحور العدى، لما عدد الوجوه التي ذكر أنهم يصرفون أموالهم غليها، ويقتسمونها فيما ذكر في أثنائها أنهم يدافعون عنها الأعداء فعليها حافظ من محافظتهم، ودونها دافع من مدافعتهم، لا يطمع الأعداء في الإغارة عليها، ولا في احتجان شيء منها، بل يمتلكها وجهان: مثوية أو صنيعة وقوله ويشرب منا بها الشارب، أراد أنهم يسبؤون بها الخمر ويجعلونها في أثمانها. فهو في هذا وفيما سلكه كقول الآخر:
نحابى بها أكفاءنا ونهيهاونشرب في أثمانها ونقامر
ونؤلفها في السنين الكلولإذا لم يجد مكسباً كاسب
ولم تك يوماً إذا روحتعلى الحي يلفى لها جادب
حبانا بها جدنا والإلهوضرب لنا خذم صائب
قوله: ونؤلفها في السنين الكلول يعني بالسنين العوام التي تقل الأمطار فيها وتشمل الناس الآفات لها. يقال: أصابتهم السنة. وقد أسنت الرجل، إذا أصابه القحط والجدب. وأراد بالكلول من كان كلا على صاحبه وعيالاً لمعيله، لا يحسن التوجيه لكسب، ولا يهتدي لارتزاء خير وترقيح عيش، كالأيتام والأرامل وذوي العاهة. وقوله إذا لم يجد مكسباً كاسب بدل من قوله في السنين. أي إذا اشتد الزمان وتضايقت الخطوب بما يعم من القحط، وأعوز الكاسبين كسبهم فلزموا مقارهم آيسين من إقبال الزمان وأهله، جعلنا إبلنا يألفها كلول الناس فينالون منها، ويعيشون فيما يعود عليهم من أبانها ومنافعها.
وقوله ولم يك يوماً إذا روحت، يريد ردت في مراعيها رواحاً فوردت على الحي لم يوجد لها عائب يعيبها، أي لم يوجد لأربابها من يعيبهم فيرميهم بالخل والإمساك. وإنما قال يلفى لها لأنه يريد يلفي من أجلها. والجادب: العائب. كأن المراد اتفاق على حمدهم، ونفى العيب على العلات كلها عن أخلاقهم، وتسليم الفضل والإفضال لهم.
وقوله حبانا بها جدنا والإله أشار بالجد إلى استسعادهم بالزمان، فهم محظوظون فيه، وأن الله ﷿ خصهم بالغنى لما عرفه من استحقاقهم، ومن طولهم إذا مكنوا وملكوا. وقال والإله فأتى به على الأصل، وقلما يعدلون عن لفظه الله تعالى إلى الإله، إذ كان جارياً مجرى الأعلام بعد لزوم الألف واللام له عوضاً من المحذوف منه.
وأشار بقوله وضرب لنا خذم صائب إلى ما نالوا من الأعداء وإيقاع الغارات بهم. والخدام: القطع. ويقال: سيف مخذم وخذوم. ومعنى صائب ذو صواب، واخرجه مخرج النسب. ويجوز أن يكون من صاب المطر، إذا وقع، صوباً. فإن جعلته من الصواب كان المعنى ضرب يقع على حده من الاستحقاق والقصد، وإذا جعلته من الصوب فالمعنى واقع موقعه عند الحاجة إليه.
وهذه الأبيات يزيد تفاصيلها على جملها عند الفحص عنها. وقد وقع دون غايتها قول الآخر وقد سلك مسلكه في تعداد مصارف أموالهم:
ثلاثة أثلاث فإثمان خيلناوإقواتنا وما نسوق إلى القتل
وإن اختلفت الطريقتان. وكل يدعو إلى نفسه في حسنه وشموله واستيفائه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع