تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال المساور بن هند بن قسيس بن زهير

فدي لبني عبد غداة دعوتهمبجو وبال النفس والأبوان
إذا جارة شلت لسعد بن مالكلها إبل شلت بها إبلان

خبر المبتدأ الذي هو فدي قوله النفس، وجو وبال أضاف الجو إلى وبال، وهو اسم ماء. وإنما دعا لبني عبد بالتفدية لأنه وجدهم عند الظن بهم لما استنصرهم على أعدائه بجو وبال. وقوله إذا جارة ظرف لقوله شلت به غبلان، وهو جوابه. وتلخيص الكلام: إذا شلت إبل لجارة لسعد بن مالك شلت بسببها ولمكانها إبلان، وذلك لكرم محافظتهم، وللعز اللاحق في معاقدة جوارهم. ومعنى شلت: طردت، شلا. وقد فصل بين المرتفع به وهو إبل، وبينه بقوله لسعد بن مالك، ولولا أن حكمه الظروف وقد توسعوا فيها، لكان ذلك غير جائز، لأن الفصل بين الفعل وبين المبنى عليه بأجنبي لا يجوز عندنا. ألا ترى أنهم امتنعوا من جواز قول القائل: كانت زيداً الحمي تأخذ، وإن جوزوا: كان في الدار زيد واقفاً، لكون الحائل هنا ظرفاً وفي ذاك غير ظرف. وأما قوله لها إبل فموقع لها أن يكون بعد إبل، لأنه صفة لها، والصفة لا تتقدم على الموصوف، كما أن الصلة لا تتقدم على الموصول، لكنها قدمت على ان تكون حالاً، والحال كما يتأخر يتقدم إذا لم يمنعه مانع، فهو كقول الآخر:

لمية موحشاً طللكأن رسومها الخلل

وتقدم لها على إبل كتقدم موحشاً على طلل.

وقوله إبل، اسم صيغ للجمع، ويتناول الكثير دون القليل. وقد ثنى هاهنا على فرقتان، فقيل إبلان. وهذا كما يقال قومان ةعشيرتان وأهلان. وقوله شلت بها، أي من أجلها وبسببها. ويروى: شت لها إبلان، ويرجع معناه إلى معنى الباء، وذلك لأنه في معنى المفعول له، أي شلت عوضاً عما شل منها، فيكزن لها الأولى في موضع الحال كما قلت، لكونه صفة متقدمة، وضميرها يرجع إلى الجارة لا غير، أي إبل متملكة لجارة لقبيلة سعد بن مالك. ولها الثانية تكون في موضع المفعول له، والضمير منها يعود إلى الإبل إن شئت، وإن شئت إلى الجارة. فاعرف الفصل بينهما إن شاء الله.

إذا عقدت أثناء سعد بن مالكلها ذمة عزت بكل مكان
إذا سئلوا ما ليس بالحق فيهمأبى كل مجني عليه وجان
ودار حفاظ قد حللتم مهانةبها نيبكم والضيف غير مهان

قوله إذا عقدت أفناء سعد بن مالك، يصفهم بحسن التعاون والترافد فيما بينهم، وانتفاء التخاذل والتباين عن سيرهم وأخلاقهم، فإنهم يد واحدة على من سواهم، لا استبداد للكبيرفيهم، ولا انحطاط للصغير منهم، بل كل يرضى فعل صاحبه، واختصاص النفر منهم في الأمور كفعل الجمهور، فمتى دخل واحد من أفنائهم في الأمر العظيم وتكفل به، أعانه الرؤساء حتى يخرج منه، لا يهملون أمره، ولا يستهينون بشأنه. وإن عقدت أوساطهم أو المتأخرون منهم ذمة لها عزت تلك الذمة وغلبت في الأماكن كلها، وجب الوفاء فيها عليهم بأسرهم، لا اختلال منهم في دفعها، ولا انفكاك لهم من ملازمتها.

وقوله إذا سئلوا ما ليس بالحق فيهم، يريد أنهم إذا سيموا خطة الضيم اجتمعوا على اجتوائها والتسخط لها، واترين كانوا أو موتورين، وطالبين كانوا أو مطلوبين، لما يفرضونه على أنفسهم من إباء الدنية، والتشارك في طروق البلية، إلى أن تنقضي بمدافعتهم لها، وبالانتقام من جالبيها. وقوله ودار حفاظ قد حللتم، يعني أنهم نزلوا دار المحافظة على الشرف رأوا مراغمة الأعداء لدى الصبر على الكلف، وحسن ثيابهم، وكرم بلاؤهم، وطابت أخبارهم، وكثرت غاشيتهم، لأنهم يهينون كرائم أموالهم، ويعزون ضيوفهم.

وهذا كما قال الآخر:

ودار حفاظ أطلنا المقامبها فحللنا محلاً كريماً
إذا كان بعضهم للهوانخليط صفاء وأما رءوماً
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

وقال:

جزى الله خيراً غالباً من عشيرةإذا حدثان الدهر نابت نوائبه
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «جزى الله خيراً غالباً من قَبيلَةٍ»
فكم دافعوا من كربة قد تلاحمتعلي وموج قد علتني غواربه

يقول متشكراً وداعياً: جزى الله غالباً من بين العشائر خيراً أشد ما كان حاجة إلى من يكافئه على مستحدث بلائه الحسن في أضيق أوقات النوب، فكممرة دافعوا دوني واشتلوني من كرب انضمت علي، وأطبقت لها الدنيا بظلامها لدي، فكأني غريق تتلاعب الأمواج بي، وتقامسني في غمارها، وترادني في لججها.

وقوله: حدثان الدهر، مصدر حدث. الكربة: الاسم من الكرب، وهو الغم الذي يأخذ بالنفس. والمتلاحم: الملازم بعد أن كان متبايناً. ويقال: التحم وتلاحم بمعنى. والغارب: أعلى الموج، وأعلى الظهر. ومنه قولهم: حبلك على غاربك. وكم موضعه من الإعراب نصب على الظرف، والمعنى فمراراً كثيرة دافعوا دوني.

إذا فلت عودوا عاد كل شمردلأشم من الفتيان جزل مواهبه
إذا أخذت بزل المخاض سلاحهاتجرد فيها متلف المال كاسبه
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «جزى الله خيراً غالباً من قَبيلَةٍ»

يقول: إذا عرض على كل واحد من بني غالب معاودة الحروب والكرور فيها عاد منهم كل رجل تام الخلقة ممتد القامة، كريم النفس، كثير العطية. وأصل الشم ارتفاع الأنف. ولك ان تروى: أشم جزل، وأشم جزل، فالرفع على كل والجر على شمردل. والشمردل: الطويل. والشمم كناية عن الكرم.

وقوله إذا أخذت بزل المخاض سلاحها فالمراد بسلاحها محاسنها وأمارات عتقها وكرمها، كأنها تتحلى بتلك المحاسن في عين أربابها حتى تحلى، فيصير ذلك سبباً للضن بها. وقوله متلف المال كاسبه هو كقولهم: مفيد مفيت، ومخلاف متلاف، ومخلف متلف. والبزل: جمع بازل، وهو المتناهي قوة وشباباً. وأصل البزل الشق. والمخلض: النوق الحوامل، وهو اسم مصوغ للجمع كالقوم والنسوة. ومعنى تجرد فيها أي تشمر في عقرها ونحرها، يريد أن تحسنها بسلاحها في عينه لا يجدي عليها نفعاً، ولا يدفع عنها مكروهاً، لما به من إكرام الضيوف، ويوجب على نفسه من قضاء الحقوق.

وقال آخر:

أيا ابنة عبد الله وابنة مالكويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أيا ابنة عبد الله وابنة مالك»
إذا ما صنعت الزاد فالتمسيلهأيلا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقاً أو جار بيت فإننيأخاف مذمات الأحاديث من بعدي
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أيا ابنة عبد الله وابنة مالك»
وإني لعبد الضيف ما دام نازلاًوما في إلا تلك من شيم العبد

حسن تكرير ابنة وإن كان المراد واحدة لاختلاف المضاف إليه، والقصد إلى تفخيم أمرها وتعظيم شأنها. والذي يدل على ان المراد واحدة قوله إذا ما صنعت الزاد فالتمسي. ويعني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حتى لقب به، أن وفود العرب اجتمعت عن المنذر بن ماء السماء - وهو المنذر بن امرىء القيس، وماء السماء أمه نسب إليها لشرفها. وقيل: ماء السماء لقبت به لصفاء نسبها، وقيل لنقاء لونها، يراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة - فأخرج المنذر بن بردين يوماً يبلو الوفود، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما. فقام عامر بن أحيمر فأخذهما واترز بأحدهما وارتدى بالآخر، فقال له المنذر: بم أنت أعز العرب قبيلة؟ قال: العز والعدد في معد، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينا فرني! فسكت الناس، فقال المنذر: هذه عشيرتك كما تزعم،

فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك؟ فقال: أنا أبو عشرة، وخال عشرة، وعم عشرة؛ وأما أنا في نفسي فشاهد العز شاهدي. ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل! فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، وفاز بالبردين.

وقوله إذا ما صنعت الزاد، يريد إذا فرغت من اتخاذ الزاد وإعداده فاطلبي من أجله من يؤاكلني، فإني لم أعود نفسي التفرد في الأكل. وهذا الذي أنف منه حتى تبرأ من الرضا به قد ورد في الخبر ما يقوى استقباح العرب له، وتزييفهم إياه فيما يختارونه من كرم الطباع، وإقامة المروءات. ألا ترى أنه قال ﷺ، فيما روى عنه: " ألا أخبركم بشر الناس؟ من اكل وحده، ومنع رفده، وضرب عبده ".

وموضع وحدي من الإعراب نصب على المصدر، والتقدير لست آكله وقد أوحدت نفسي في أكله إيحاداً، فوضع وحده موضع الإيجاد. والكوفيون يجعلون وحدي في موضع الحال، وإن كان لفظه معرفة، يجعلونه من باب: جاءوا قضهم بقضيضهم، وكلمته فاه إلى في، وما أشبهه. وجواب إذا قوله فالتمسي له أكيلا. وأكيل الرجل وشريبه ونديمه وجليسه، يقال كل منها فيمن عرف بالصفة. لا يقال لمن أكل مع صاحبه مرة واحدة هو أكيله، ولا لمن شرب معه مرة واحدة هو شريبه. وعلى ذلك قولهم: هو جليسه، لا يطلق إلا على من عرف بهذه الصفة فتكررت منه. فإن قيل: كيف نكره وقال التمسي له أكيلا؟ وهلا قال أكيلي؟ قلت: لا يمتنع أن يكون قد عرف بمواكلته عدة، فأراد التمسي من أجله بعد ما هيأته واحداً من المعروفين بمواكلتي، ألا ترى أنه قال مفصلاً لما جمله، وشارحاً لما أبهمه: أخاً طارقاً أو جار بيت، فأبدل من الأول وهو أكيلا ما أبدل. والمراد: التمسي أكيلاً من أحد هذين النوعين طارقاً آخيناه، أو جار بيت باسطناه. وقوله: فإنني أخاف مذمات الأحاديث من بعدي، بيان علة استضاعه من التفرد في الأكل. يريد: أخشى ما يلحق من العار في الأكل منفرداً إذا افتقدت أو ذكرت أحوال الناس، واستعرضت عاداتهم، فاستهجن الهجين منها، واستكرم الكريم. والمذمة بالفتح: الذم، وجمعها مذمات. والمذمة بالكسر: الذمام. وأضاف المذمات إلى الأحاديث ليرى أن خوفه مما يبقى من الذم فيما يتحدث به بعده.

وقوله: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا، يروى: نازلاً. ويقال: ثوى بالمكان وأثوى بمعنى. يريد أني أتكلف من خدمة الضيف ما يتكلفه العبيد، لا أستنكف ولا آنف، وليس لي من أخلاق العبيد وطبائعهم إلا تلك، يريد إلا تلك الخدمة، أو تلك الخليقة. وموضع ما دام نصب على الظرف أي مدة دوام ثوائه عندي. وموضع من شيم العبد رفع على أن يكون اسم ما، وخبره في وإلا تلك استثناء مقدم، وفائدة من التبيين فهو كمن الذي في قوله: " فاجتنبوا الرجس من الأوثان "، لأن الأوثان كلها رجس، وليس يريد التبعيض بذكر من، لكن المراد اجتنبوا الرجس من الضرب، إذ كان الأهم فيما يجب اجتنابه.

وقال آخر:

ليس في الفتيان من كل همهصبوح وإن أمسى ففضل غبوق
ولكن فتى الفتيان من راح أو غدالضر عدو أو لنفع صديق
للشاعر والبة بن الحُباب الأسدي ، اقرأ القصيدة

يقول: ليس المختار من الفتيان والكامل الفتوة فيهم من إذا أصبح كان معظم همه ما يشربه صباحاً، وإذا امسى كان معظم همه ما يشربه مساء. والصبوح: ما يصطبح به، اسماً له. والغبوق: ما يغتبق به. يريد أن الفتوة ليس في إعداد الأطعمة والأشربة، وإعطاء النفس مناها منهما، لكن الفتوة هو السعي غدواً ورواحاً في جر ضرر على منابذ مداج، أو جلب نفع إلى ناصح مواخ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.