من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الهذيل بن مشجعة البولاني
إني وإن كان ابن عمي غائباًلمقاذف من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرأمتزحزحاً في أرضه وسمائه
يصف كرم محافظته وحسن نيابته عن غياب أهله وذويه، فيقول: إني لمدافع مرام دون ابن عمي إذا غاب عني، فأذب من قدامه وخلفه. والمعنى: أني أقاتل دونه كنت هادياً له وقد تخلف عني، أو حادياً له وقد تقدمني. فقوله من ورائه، من البين الظاهر أنه بمعنى القدام، وقد ذكر معه خلف. واشتقاقه من المواراة وهي المساترة، ولذلك صلح وقوعه موقع الخلف والقدام. وفي القرآن: " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ". وموضع من خلفه نصب على الحال أي متخلفاً أو متقدماً. وقوله ومفيده نصري أي لا أمسك عن معونته وإن تباعد عني في أرضه وسمائه. والمعنى: أني بظهر الغيب لا أخذله وإن اشتغل عني بمصارف حياته في
بلاده وأوطانه. وعطف على أرضه السماء تأكيداً لتنائيه عنه، واشتغاله دونه بمباغيه، كأنه لما جعل له أرضاً مباينة لأرضه، جعل لأرضه سماء مباينة لسماء أرضه. ولا يمتنع أن يكون جعل ذلك مثلاً لاختلاف أحواله، كما يقال نفضت نهائم فلان ونجوده. والمعنى: جربته وكشفت عن أحواله. وعلى هذا قولهم: خبرت ضحى فلان ودجاه، والمعنى سره وإعلانه.
ومتى أجئه في الشديدة مرملاألق الذي في مزودي لوعائه
وإذا تتبعت الجلائف مالناخلطت صحيحتنا إلى جربائه
يقول: ومتى زرته في شدائد الزمان فوجدته منقطعاً به لم أحوجه إلى السؤال وبذل الوجه واستحمال المفاقر عنه، لكن ألقيت في وعائه ما كان في مزودي. أي أرم حاله في السر من غير أن يلحقه خجل، أو يمسه تعب. وقوله وإذا تتبعت الجلائف، يقول: وإذا تعاونت الآفات والسنون على أموالنا، وتتابعت الأزمات معترضة في أحوالنا، فقشرتها ولحتها، وأثرت بالسوءى فيها خلط ما سلم من مالنا بالمعيب من ماله. وذكر الصحيحة والجرباء مثل. والمعنى: أصلحنا فاسد حاله بصالح حالنا وتحملنا أوزار الأيام السيئة عنه بما خف من ظهورنا. والجلائف: جمع جليفة، وهي الأعوام المدبة. وأصل الجلف القشر. يقال: جلفت الدن، إذا قشرت الطين عنه.
وإذا أتى من وجهة بطريفةلم أطلع مما وراء خبائه
يروى: من وجهه، والمعنى من حيث ما توجه له كاسباً للمال. وقوله من وجهة وهو اسم وليس بمصدر، ولذلك سلم فاؤه. والمصدر الجهة، أعل كما أعل فعله، على ذلك العدة والزنة، والوعدة والوزنة إذا بنيت اسماً.
والطريفة، أراد ما استطرف من المال واستحدث، لكن القصد هنا إلى ما يستحسن من الأعراض، لكونه طرفة. وقوله لم أطلع مما وراء خبائه أي لم اتعرض له تعرض المتتبع لحاله، المتطلع على سرائر أمره. ووراء هاهنا بمعنى خلف.
ويجوز أن يكون المعنى: ام اعرض نفسي عليه متعرفاً ما جاء به ليشركني في طرفه، ويجعلني إسوة نفسه.
وإذا اكتسى ثوباً جميلاً لم أقليا ليت أن على حسن ردائه
يصف طيب نفسه بما يناله صاحبه من الخير، وينفرد به من زيادة تجمل، أو ظهور أثر نعمة، وقلة حسده له، وأنه لا يشتمل صدره فيه على غل، ولا ينطوى قلبه له على مكنون حقد لما يرى به من ظهور غنى، واتساع أمر، حتى يتمنى مكانته، ويختار الاستبداد بما أوتيه، أو مشاركته فيه. وقوله ياليت المنادى محذوف، وموضع ياليت نصب على أنه مفعول لم أقل، كأنه قال: لم أقل يا ناس، ليت أن على رداءه الحسن.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع