من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال حسان بن حنظلة
تلك ابنة العدوى قالت باطلاًأزرى بقومك قلة الأموال
إنا لعمر أبيك يحمد ضيفناويسود مقترنا على الإقلال
انتصب باطلاً على أنه مفعول قالت. ومن شرط القول أن يحكي ما بعده إذا كان جملة، تقول: قال زيد عمر وخارج. فإن كان ما بعده معنى جملة ولم يكن جملة كاملة انتصب على أن يكون مفعوله، كقولك قال زيد حقا وقال كذبا وصدقا. وموضع قوله أزرى بقومك قلة الأموال نصب على البدل من قوله باطلاً. ويجوز أن ينتصب باطلاً على أنه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال قالت قولاً باطلاً، ويكون أزرى بقومك في موضع المفعول لقالت وقد حكاه لكونه جملة. وقوله قالت باطلا رفع على أنه خبر المبتدأ، وابنة العدوى ارتفع على أنه عطف البيان لتلك. ومعنى البيت: قالت ابنة العدوى زوراً من القول وباطلاً: لقد قصر بقومك فقرهم وقلة مالهم، وإعراض الدنيا عنهم! فأجبتها بقولي: إنا لعمر أبيك يحمدنا الضيف، ويشكرنا الزائر والمجتاز. والمعنى: ليس الاعتبار بكثرة المال واتساع الحال، فإنا وحق أبيك يحمدنا ضيوفنا إذا نزلوا بنا، فينصرفون مادحين لنا، وترى مقلنا ينال السيادة على إقلاله، ولا يؤخره ذلك عن رتبة أمثاله. وحذف من قوله إنا
لعمر أبيك فأجبتها أو قلت لها. ومثل هذا يحذف في الكلام كثيراص. على ذلك قول الله ﷿: " وأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم "، أي يقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم.
غضبت على أن اتصلت بطيءوأنا امرؤ من طيء الأجبال
وأنا امرؤ من آل حية منصبيوبنو جوين، فأسألي، أخوالي
يقول: أنكرت مني هذه المرأة انتسابي إلى طيء، وتأثلي فيهم، واعتزائي إليهم، وتغضبت لتجرني إلى تميم وتحولني فيهم، وذلك بعيد لا يقع في الوهم كونه، ولا يستجاز حصوله، وذلك أني رجل من طيء خرجت، وفي عشتها درجت، وعلى طرائقهم وشيمهم تخرجت، إذ كانوا الأصل الذي منه تفرعت، وعليهم إذا ذكرت المناسب نسبي أدرت. وقوله وأنا امرؤ من آل حية منصبي، وذكر طرفيه فزعم أن آل حية عمومته التي تؤويه، وأن بني جوين خؤولته التي تدنيه، والقصد إلى مراغمة تلك وتشهير نفسه بما تنكره منه. وقوله من طيء الأجبال يعني سلمى وأجأ. وهذه الإضافة على طرق التخصيص والتبيين، وذلك لأن طيئاً فرقتان: فرقة تنزل السفل من جبالهم، وفرقة تنزل العلو. وقوله منصبي يجوز أن يكون مبتدأ ومن آل حية خبره، والجملة في موضع الصفة لامرىء، ويجوز أن يكون من آل حية في موضع الصفة، ومنصبي في موضع الرفع على البدل من امرؤ، كأنه قال: أنا منصبي من آل حية. وقوله فاسألي اعتراض، وقد توسط المبتدأ والخبر، ومفعوله محذوف.
وإذا دعوت بني جديلة جاءنيمرد على جرد المتون طوال
أحلامنا تزن الجبال رزانةويزيد جاهلنا على الجهال
بنو جديلة: من طيىء. أراد أن يبين أنه كما يعتزى إليهم يقبلوله ويتبجحون بكونه منهم وينصرونه، فمتى استغاث بهم واستعانهم على دهره أو عدوه أعانه رجال مراد، على خيل جرد، وانتقموا له وانتصفوا من أعدائه. وقوله أحلامنا تزن الجبال، مدح نفسه وقبيلته والمراد أنهم من الوقار والسكون والرزانة والهدو في المنزل الأعلى، والمكان الأقصى، لا يتحلحلون للنوائب، ولا يتضعضعون للشدائد. هذا ما لم يحرجوا أو يحوجوا، فإن استجهلوا من بعد، واستجروا إلى الشر، وجد جاهلهم يزيد على الجهال قهراً وتأبياً، واشتطاطاً في
الحكم وتصعباً. وإنما افتخر بأن حلمهم موجود ثابت ما لم يساموا خسفاً، فإن عدل بهم عن طريق النصفة، وأروا في معاملتهم عسفاً، كان جهلهم معداً، وزائداً على كل ما يقدر فيعد عداً.
وقوله تزن الجبال رزانة الوزن: مثقال كل شيء، ثم كثر حتى قيل: هو راجح للوزن، أي راجح الرأي والعقل؛ وهو يزن كذا، أي هو على وزنه؛ وهو أوزن قومه، أي هو أرجحهم وأوجههم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع