من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال إياس بن الأرت (٤)
إني لقوال لعافي مرحباًوللطالب المعروف إنك واجده
وإني للما أبسط الكف بالندىإذا شنجت كف البخيل وساعده
قوله عافى أصله عافوني، لكن الواو والياء إذا اجتمعا فأيهما سبق الآخر بالسكون يقلب الواو ياءً، ثم يدغم الأول في الثاني، وكسر الفاء لمجاورته للياء. وانتصب مرحباعلى المصدر، وقد وقع وهو يجري مجرى الجمل لمكان العامل فيه معه موقع المفعول من قوله قوال. وانعطف عليه قوله " وللطالب المعروف إنك واجده " كأنه قال: وقوال للطالب المعروف إنك واجده. فقوله إنك واجده واقع في مثل قوله مرحباً. والمعنى أن العفاة وطلاب العرف إذا نزلوا بي تلقيتهم بالترحيب والإكرام، وتلطيف القول في الإنزال، وأقول: إنكم تجدون ما تطلبون، لامنع ولاحرمان، ولادفاع ولامطال؛ لأني إذا تقبضت أكف البخلاء فلم تنبسط، وقصرت سواعدهم عن الامتداد في البذل فلم تطل، تنديت وعلت على أكف السؤال كفي فبسطت، لأن معروفي دار وخيري مبذول. وقوله: " لمما أبسط الكف " أي لمن الأمر أني أبسط الكف بالندى، ف " أبسط " شرح المبهم بلفظة ما. و " إذا شنجت " ظرف لأبسط، ويشير إلى زمان السوء، وشمول المحل، وظهور البخل.
لعمرك ما تدري أمامة أنهاثنى من خيال ما أزال أعاوده
فشقت على صحبي وعنت ركائبيوردت على الليل قرناً أكابده
لعمرك: مبتدأ وخبره محذوف، وقد مضى القول فيه فيما تقدم. فيقول: وبقائك، ما تعلم هذه المرأة أن خيالها يأتيني ثنىً، أي مرة بعد أخرى. وفي الحديث: " لاثنى في الصدقة "، أي لاتؤخذ في السنة مرتين. وقوله " ماأزال أعاوده " يريد أني ممتحن بمجيئها، لأنها تراجعني فتصرفني عن أسبابي، وتعوقني عن مهماتي. والمعنى أنها غافلة عما أكابده من خيالها في المنام، ومن ملازمة ذكرها لي عند الانتباه، لأنها لاتجد مثل وجدي، فلا الذكر يهيج الشوق، ولا الفكر يجدد الطيف. وهذا الكلام تشك منه وتعتب على صاحبته، يدل عليه قوله " فشقت على صحبي "، يعني الخيال؛ وذاك لأنه لما سهر بعث أصحابه على النهوض معه والانبعاث في السير مساعدين له، فهذا معنى الشقة عليه. وقوله " وعنت ركائبي " جمع ركوبة، وهي تجري مجرى الأسماء في انفرادها عن الموصوف، لايقال ناقة ركوبة. والمعنى: أتعبت رواحلي، لأن أزعجتها للسير، وبعثتها من القرار، وحلت بينها وبين الراحة. وقوله " وردت على الليل قرناً أكابده " أي جعلتني ممتطياً لليل، ومتخذاً قرناً لي أزاوله وأجاذبه، أي أشاقه وأناصبه. وأصله من الكبد، في قوله تعالى: " لقد خلقنا الإنسان في كبد "، أي في شدة ومشاقة. وقال الخليل: يقال كابدت ظلمة الليل بكابد شديد، أي مكابدة شديدة. وكل هذا الكلام تبجح منه عندها بأنها تملكه على غفلتها عنه، وانفراده بالبث فيها، فخيالها يصرفه التصريف الذي وصف. وانتصب قرناعلى الحال.
وقال آخر:
أثنى على بما لا تكذبين بهيا بكر أي فتى للضيف والجار
إني أجاور ما جاورت في حسبيولا أفارق إلا طيب الدار
قوله " بما لاتكذبين به " أي لاتصادقين بذكره كاذبة. يقال: خبرني فلان فأكذبته، أي وجدته كاذبا. والمعنى: ليكن ثناؤك على حقا، وبما لايستسرفه معه ولا يستنكره مخبره. ثم علمها فقال: قولي يا بكر، أي فتىً كنت للجار إذا استجار، والضيف إذا استضاف.
وقوله " إني أجاور ما جاورت في حسبي "، يريد أن من صاحبته مجاوراً له يجدني حسيباً في فعالي، كريماً عند مقالي. هذا مدة الجوار، ثم إن فارقته فارقته والدار تنطق بالثناء علي، فأخباري تستطاب في السماع إذا شهدت. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
إذا كنت في دار فحاولت تركهافدعها وفيها إن رجعت معاد
وقوله في حسبي أي معي حسبي، فموضعه نصب على الحال. وإذا جاور ومعه حسبه منعه مما لايحسن. ألا ترى قوله تعالى في صفة المؤمنين: " وإذا مروا باللغو مروا كراماً "، أي الكرم منهم من التعريج على اللغو. ويقال: جاءنا فلان في درع، أي عليه درع، والعامل فيه لا أفارق. وقوله " أي فتى " مبتدأ وخبره مضمر، كأنه قال: أي فتى أنت؟ وقد جعل الطيب كنايةً عن الكريم؛ على ذلك قوله تعالى: سلام عليكم طبتم فادخلوها، أي كرمتم.
وقال آخر:
كم من لئيم رأينا كان ذا إبلفأصبح اليوم لامعط ولا قار
ولويكون على الحداد يملكهلم يسق ذا غلة من مائه الجاري
كم موضعه نصب على المفعول من رأينا. يريد: رأينا كثيراً من اللئام يملكون نفائس الأموال وكرامها، ثم ماتوا عنها أو أزيلت نعمهم وحيل بينهم وبينها، فصاروا من بعد لا هم معطون ولا فارون، أي عادوا وقد تغيرت حالهم، فلا يرجى ذلك من جهتهم. وقوله فأصبح اليوم وكان ذا إبل، كل ذلك مردود على لفظ لئيم، وإن كان من حيث المعنى يفيد الكثرة.
وقوله ولو يكون على الحداد، يريد: ولو ولى فيض الحداد، وهو اسم بحر، ممتلكاً له أيام غناه لما برد غليل رجل حران، ولا سقاء ماء لفيه، لبخله وقسوة قلبه. ومعنى على الحداد، أي متولياً له ومدبراً أمره، يقال: من عليكم؟ أي من يأمر عليكم ويلكم. وإذا كان كذلك فقوله على الحداد يتم الكلام به، لأنه خبر يكون،
ويملكه في موصع النصب على الحال. وقوله لا معط معط في موضع المبتدأ كأنه قال: لا هو معط. والكلام بعث على البذل والسخاء، وأن المال في الدنيا بعرض الحوادث ملقي، وعلى طريقي النوائب، فلا يبقى لمالكه، كما أن مالكه لا يبقي له، فما يقدمه في اجتلاب شكر واكتساب أجر هو الباقي له، دون ما يخلفه فيقتسمه الوارث بعده فائزين به وذامين له.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع