تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال حسان بن ثابت

المال يغشى رجالاً لا طباخ لهمكالسيل يغشى أصول الدندن البالي
أصون عرضي بمالي لا أدنسهلا بارك الله بعد العرض في المال
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «كم للمنازل من شهر وأحوال»
أحتال للمال إن أودي فأجمعهولست للعرض إن أودي بمحتال
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «كم للمنازل من شهر وأحوال»

قوله لا طباخ لهم، أي لاخير عندهم. ويقال: هذا لحم لا جباخ له، أي لا دسم له. وشاب مطبخ، أملاً ما يكون شباباً وأرواه. وطبخ الغلام، إذا ترعرع وعمل. والدندن: المسود من الكلاء لقدمه ويبسه. والمعنى أن المرء لا يؤتى الغنى لفضل فيه وغناه لديه، وإنما ذلك لمقادير قدرت على حسب ما عرفه الله تعالى جده، وهو الذي يغني ويقني من مصالح خلقه. وإذا كان كذلك فقد يتفق حصول المال عند من لا يستحقه بفضل أوتيه، أو ذمام وجب له، بل يكون كالسيل يمتد من المذانب والتلاع حتى يقف حاصلاً في أصول يابس الكلاء ومسوده، في أنه لا ينتفع به ولا يرد خيراً على جامعه، كما لا ينتفع الدندن البالي بما يغشى أصوله من ماء المطر. وفي مثل هذا قول الراعي:

وخادع المجد أقوام لهم ورقراح العضاه به والعرق مدخول
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «طاف الخيال بأصحابي فقلت لهم»

وقد أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال وأحسن:

لا تنكري عطل الكريم من الغنىفالسيل حرب للمكان العالي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كفي وغاك فإنني لك قالي»

وقوله أصون عرضي بمالي، يريد أني أجعل المال واقية لحسبي ونسبي، فأصونه ولا أدنسه بتثميره وتوفيره، وإن تقلدت العار له واكتسبت الإثم الفاحش في، فلا بارك الله في المال بعد النفس، لأن المال يحتاج إليه لتنتفع به النفس، ولتتنزه عن المعايب والمقاذر بإنفاقه. فأما قوله بارك فأصله من اللزوم، ومنه برك البعير، إذا لزم مكانه. فمعنى بارك الله فيه: بقاه الله. وعلى ذلك قول المسلمين: تبارك الله: أي بقي ودام، فهو تفاعل في معنى فعل لا تكلف فيه، تعالى الله عن ذلك. وقوله أحتال للمال إن أودي فأجمعه، يريد أن المال إذا استهلكه منفقه أمكن الاعتياض منه، ونفذ الاحتيال في جمعه وتثميره، وإذا هلك العرض فلا طريق إلى رده إلى ما كان عليه، ولا استطاعة في تنقيته من درن العار وقد جعل وقاية للمال.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.