من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال أبو محمد اليزيدي
عجباً لأحمد والعجائب جمةأبي يلوم على الزمان تبذلي
إن العجب لما أبثك أمرهمن كل مثوج الفؤاد مهبل
وغد يلوك لسانه بلهانهوترى ضبابة قلبه لا تنجلي
متصرف للنوك في غلوائهزمر المروءة جامح في المسحل
وإذا شهدت به مجالس ذي النهىوبلت سحابته بنوك مسهل
غلب الزمان بجده فسما بهوكبا الزمان لوجهه والكلكل
قوله والعجائب جمة اعتراض بين أحمد وقصته التي عجب منها. ويقال: أمر عجب وعجاب وعجيب وعاجب. وأبلغ هذه الأبنية العجاب. وانتصب عجباً على المصدر. يقول: أتعجب لأحمد كيف أنكر خلقي وطريقتي، حتى لامني في تبذلي على تنكر الأيام وتغيرها، ومن أين استطرف ما رأى من
حالي وقصتي، ومقتضى الوقت وموجب حكمه لا يدعوان إلى غيره. ثم أقبل يخاطب أحمد بعد الإخبار عنه فقال: إن العجب ما أطلعك عليه وأباثك فيه، وأكشف لك مستوره وخافيته، من كل رجل بطيء الفهم، ميت الخاطر، مدعو عليه بالهبل لثقله وعجزه غبي، إن حدث أدار لسانه في فيه يمضخ كلامه، وإن أئتمن خان، وكان ذا لونين لنفاقه، وكأن قلبه قد رين عليه لما يضمره من غل، فعليه لكل أحد ضبابة، فلا تصفو نيته، ولا تخلص طويته، متصرف في غلواء الحمق وارتفاعه وانتهائه، قليل المروءة، وزمر الحمية، يركب رأسه فيما يعن، ويغفل عن القصد فيما فيه يجد، ويمضي قدماً في الشر فلا يرتدع، ويعلو على زاجره فلا يرجع، ولا يقف وإن كبح بلجام المنع، ولا يرعوى وإن أوذن بالهلك؛ ثم إن حضرت به مجالس الفضل والعقل، سالت سحابة جهله بحمق تلتطم أمواجه، وتتدافع بصوبه أركانه؛ وعلى ما به من النذالة والجهالة رزق جداً فحظي، وغلب على أهل زمانه بما قسم له فعلى، وذل له الدهر فكبا لصدره ووجهه ضارعاً، وانقاد لأمره ونهيه صاغراص، حتى أدرك ما شاء ممتداً ي شأوه، مشترفاً في شأنه، آخذاً قصب السبق في ميدانه، فإن تعجبت فالعجيب هذا، وإن استنكرت فالنكير هذا. ويروى:
غلب الزمان بجده وسما بهفكبا الزمان
فيجعل الفعل للزمان ويكون معنى سما به رفعه. ثم أخذ يدعو على الزمان فقال: سقط لوجهه وكلكله، حين اختار مثله لإحسانه، وهذا حسن جداً. والوغد: الدني، من قولك: وغدت القوم إذا خدمتهم. والنهي: العقول، والواحدة نهية. والنوك: الحمق. والمسحلان: جلقتا شكيم اللجام، والجميع المساحل. ومعنى على الزمان، على تصاريف الزمان؛ فحذف المضاف. وقوله: أبثك أمره أي أجعل أمره مما تبث وتحزن له. والمثلوج الفؤاد: البليد الخالي من الذكاء والحدة. واللؤك: المضخ.
ولقد سموت بهمتي وسما بهاطلبي المكارم بالفعال الأفضل
لأنال مكرمة الحياة وربماعثر الزمان بذي الدهاء الحول
فلئن غلبت لتمضين ضريبتيكلب الزمان بعفة وتجمل
رجع إلى صفة نفسه على تنكر الزمان له، فقال: إني وإن لم تساعدني الحال، ولا يقوم لما أنويه المال، فلى همة رفيعة، ونفس أبية، يسمو بهما ارتقائي في درجات الفضل، وطلبي المعالي بأحسن الفعل، لأعيش مكرماً مصوناً، فلا يفةتني سلامة الدين والمروءة، وإن فاتتني الزيادة في الحال والمقدرة؛ والدهر قد يعثر بالرجل التام النكر، المرير القوة والحول، لجهله بموضع الصنيعة، فإن غلبني على حظي، وتخطاني عند القسم إلى غيري، فطبيعتي تسليني وترضيني، ومعرفتي بمن عنده المال والعتاد تصرف الهم عني، فتمنحني آثار الحدثان، وعرامة الليالي والأيام، بعفاف أستعمله، وتجمل ألتزمه، لئلا يشمت عدو، أو يفرح حسود.
تم باب الهجاء بحمد الله وعونه والحمد لله على تظاهر آلائه، والصلاة على سيدنا محمد وآله.
تم القسم الثالث من شرح المرزوقي للحماسة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع