تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقالت أم عمرو بنت وقدان

إن أنتم لم تطلبوا بأخيكمفذروا السلاح ووحشوا بالأبرق
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوانقب النساء فبئس رهط المرهق
ألهاكم ان تطلبوا بأخيكمأكل الخزير ولعق أجرد أمحق

تقول: إن ضيعتم دم أخيكم، وقعدتم عن الانتقام له، لتقصيركم في طلب ثأره، فضعوا السلاح واطرحوه بالأبرق. ويقال: وحش بثوبه وبسيفه، إذا رمى به بعيداً. وفي الحديث: " وحشوا برماحهم "، أي رموا بها. ويجوز أن تريد توحشوا، أي صيروا مع الوحش حياء من فعلكم، وهاجروا الناس وحانبوهم. والعرب تقول:

إذا أظلم الليل تأنس كل وحشتي، وتوحش كل إنسى. يريدون بتأنس استأنس، وبتوحش استوحش. ومثل وحش بمعنى توحش قدم بمعنى تقدم، ونبه بمعنى تنبيه. وعلى هذا يحمل قول امرىء القيس:

وأنا المنبه بعد ما قد نومواوأنا المعالن صفحة النوام

لأنه لم يجعل منبه بمعنى متنبه يصير عجز البيت كصدره في أنهما بمعنى واحد. وقال بعضهم: وحشوا معناه اطلبوا صيد الوحش وتقوتوه. وهذا يرجع معناه إلى ما ذكرناه؛ لأن معناه فارقوا الناس والكون معهم. وخصت الأبرق لأنه كان مما وليهم، وهو المكان فيه حجارة سود وبيض. ويقال: جبل أبرق، إذا كانت طاقاته سوداً وبيضاً.

وقولها وخذوا المكاحل، تريد: اجعلوا بدل السلاح آلات النساء: والمجاسد: جمع المجسد، وهو الثوب المشبع صبغاً. والجساد: الزعفران. والنقب: جمع نقبة، وهي إزار تجعل له حجزة كحجزة السروايل تلبسه المرأة. قال:

بيضاء مثل القلبفي نقبة وإنب

والإنب: القميص.

والمعنى: إن لم تثأروا لصاحبكم فتزيزا بزي النساء فإنكم إناث، وبئس رهط المرهق: المضيق عليه أنتم. وحذف المذموم ببئس، وهو أنتم، لأن المراد مفهوم. وهذا الكلام بعث وتحضيض على طلب الدم، فهو كقول أخت عمرو حين بعثت عمراً على طلب دم أخيه عبد الله فقالت:

فإن أنتم لم تثأروا بأخيكمفمشوا بآذان النعام المصلم
ولا تردوا إلا فضول نسائكمإذا ارتملت أعقابهن من الدم

وقولها ألهاكم أن تطلبوا تهييج وإغراء. والخزير: حساء يحسى. والأجرد: الأمحق، يراد به نحي أو زق دبي. والأمحق: القليل، كأنه يصير لكم محقاً لا يبارك

الله فيه، وأمحق من باب أفعل الذي لا فعلاء له واللعق، هو لما في النحي لا له، فتوسع فيه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الهجاء: قال موسى بن جابر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.