من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال زيد الأعجم
ومن أنتم إنا نسينا من أنتموريحكم من أي ريح الأعاصير
وأنتم أولى جئتم مع البقل والدبافطار وهذا شخصكم غير طائر
فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكمولم تدركوا إلا مدق الحوافر
قوله إنا نسينا من أنتم يجوز أن تجعل من استفهاما، وقد كرره، وعلق نسينا قبله، وإن لم يكن من أفعال الشك واليقين، لأنه أجراه مجرى نقيضه، وهو عرفت وذكرت؛ وهم يجرون النظير مجرى النظير، والنقيض مجرى النقيض. وقد مر له نظائر. ويجوز أن نجعل من بمعنى الذي. وقد حذف صلته، كأنه قال: إنا نسينا الذين هم أنتم والأول أوجه. ونظير الأول عند أصحابنا البصريين قوله تعالى: " لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا ". وفي باب الذي قوله تعالى:
" تماماً على الذي أحسن ". لأن المعنى من هو أحسن. وقوله من أي ريح الأعاصير، والأعاصر: جمع الإعصار، وهو الغبار الساطع المستدير، وفي المثل " إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً ". وإنما خصها بالذكر لأنها تسوق غيثاً، ولا تدر سحاباً، ولا تلقح شجراً، فضرب المثل بها لقلة الانتفاع بهم. وهذا كما قال الآخر:
وأنت على الأدنى شمال عريةشآمية تزوى الوجوه بليل
وهم يجعلون الريح كناية عن الدولة، فيقال: فلان هبت له ريح، فكأنه جعل دولتهم لا تجدي ولا ترد نفعاً، بل تتوى وتجر شراً، وقوله وأنتم أولى جئتم، يريد الذين جئتم مع البقل. والمعنى أن شرفكم حديث. ومثله قول الآخر:
تموتون هزلى في السنين وأنتمأساريع تحيا كلما نبت البقل
وقوله فطار وهذا شخصكم غير طائر تضجر بهم وتعجب من بقائهم، وعتب على الزمان في استبقائهم. وقوله فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكم يريد أن كل من يذكر لكم وعندكم فهو سابق لكم، مقدم عليكم بالزمان والفضل، فأنتم على الساقة لم تدركوا ممن أحرز قصبات السبق إلا مدق الحوافر، ومواطىء الأقدام. جعلهم فساكل، ومتأخرين عند الفضائل.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع