تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال الفرزدق (٣)

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجوههم:

إذا رأته قريش قال قائلهاإلى مكارم هذا ينتهي الكرم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحل والحرم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»

فائدة إلى قوله إلى مكارم هذا الانتهاء، والجملة في موضع المفعول لقال. والمعنى أن الكريم إذا انتهى إلى درجة مكارم هذا وقف، لأنها الغاية السامية، والمرتبة التي لا متجاوز منها إلى ما هو أعلى. ثم قال: هذا، يعني علي بن الحسين بن علي صلوات الله عليه الذي تعرف البطحاء وطأته من بين وطآت الناس إذا مشوا عليها وفيها. والبطحاء: أرض مكة المنبطحة، وكذلك الأبطح. وبيوت مكة التي هي للأشراف بالأبطح، والتي هي فر الروابي والجبال للغرباء وأوساط الناس. والحطيم: الجدار الذي عليه ميزاب الكعبة، فكأنه حطم بعض حجره. والأبطح والبطحاء وإن كانا صفتين فإنهما قد لحقا بالأسماء، لذلك جمعا الأباطح والبطحاوات. وانتصب عرفان على أنه مفعول له أي يكاد يمسكه ركن الحطيم لأن عرف راحته. ويستلم، بمعنى يلمس الحجر الأسود. يريد: أنه ابن رسول الله ﷺ الذي شرف به هذه المواضع، فهي عارفة به، وإذا جاء إلى المستلم يكاد يتمسك به الركن تمييزاً لراحته عن راحة غيره. وأصل يستلم تناول الحجر باليد أو بالقبلة أو مسحه بالكف، فكأنه من السلام: الحجارة. قال الخليل: ولم نسمع أحداً يفردها.

أي القبائل ليست في رقابهملأولية هذا أو له نعم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا سائلي أين حلّ الجود و الكرم»
بكفه خيزران ريحه عبقمن كف أروع في عرنينه شمم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
يغضى حياء ويغضي من مهابتهفما يكلم إلا حين يبتسم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»

يريد: أن طوائف الناس مغمورون بنعمه أو نعم سلفه، يعني النبي والوصي ﵉، لأنهم اهتدوا بدعائهم، وفارقوا الهلك والضلالة بإرشادهم ودلالتهم فلا قبيل إلا ورقابهم قد شغلت بما قلدت من مننهم، وذممهم قد رهنت بما حملت من عوارفهم. وقوله بكفه خيرزان يعني به المخصرة التي يمسكها الملوك بأيديهم يتعبثون بها. وقوله ريحه عبق، إذا فتح الباء فمخرجه مخرج المصادر، كأنه نفس الشيء، أو على حذف المضاف، والأصل ذات عبق. وإذا كسرت فهو اسم الفاعل، ومعناه

اللاصق بالشيء لا يفارقه. يريد أن رائحته تبقى فهي تشم الدهر من كف أروع، وهو الجميل الوجه. والشمم: الطول. والعرنين: الأنف وما ارتفع من الأرض، وأول الشيء، وتجعل العرانين كناية عن الأشراف والسادة. وإذا قرن الشمم بالعرنين أو الأنف، فالقصد إلى الكرم. لذلك قال حسان بن ثابت:

شم الأنوف من الطراز الأول

وقوله يغضي حياء، أي لحيائه يغض طرفه، فهو في ملكته وكالمنخزل له. ويغضى من مهابته أي ويغضي معه مهابة له، فمن مهابته في موضع المفعول له، كما أن قوله حياء انتصب لمثل ذلك، والمفعول له لا يقام مقام الفاعل، كما أن الحال والتمييز لا يقام واحد منهما مقام الفاعل. فإن قيل: إذا كان الأمر على هذا فأين الذي يرتفع بيغضى؟ قلت: يقوم مقام فاعله المصدر، كأنه قال: ويغضى الإغضاء من مهابته. والدال على الإعضاء يغضى، كما انك إذا قلت سير بزيد يومين، لك أن تجعل القائم مقام الفاعل المصدر، كأنه قيل: سير السير بزيد يومين، وهو أحد الوجوه التي فيه، فاعلمه.

آخر:

إذا انتدى واحتبى بالسيف دان لهشوس الرجال خضوع الجرب للطالي
كأنما الطير منهم فوق هامهملا خوف ظلم ولكن خوف إجلال

انتدى: جلس في نادي القوم، وهو مجمعهم. وقوله احتبى بالسيف، أي حضر لعقد جوار، أو فصل أمر حرب، أو إيقاع حلف، أو تسويد رئيس أو ما يجري هذا المجرى وذلك أن السيف في أمثال هذه الأحوال ربما مست الحاجة إليه، لذلك قال جرير:

ولا يحتبى عند عقد الجواربغير السيوف ولا يرتدي

وفي غير هذه الأحوال إنما يحتبون بالأدوية وأشباهها. ودان له، أي خضع. وشوس الرجال: جمع أشواس، وهو الذي ينظر بمؤخر عينه عداوة أو كبراً. وانتصب

خضوع الجرب على أنه مصدر من غير لفظه، لأن معنى دان له، أي خضع له. ومثله:

ورضت فذلت صعبة أي إذلال

لأن معنى رضت أذللت. وانتصب أي إذلال نه.

وخص الجرب لأنها إذا هنئت بالطلاء طاب لها وطاعت لطالبها. لذلك قال امرؤ القيس:

كما شغف المهنوءة الرجل الظالي

وقوله كأنما الطير منهم فوق هامهم، أراد أن مجالسهم مهيبة، وأن حاضريها لا يموجون ولا يتخففون، بل يتوقرون ويسكنون فكأن على رءوسهم الطير، فإن حركوا رءوسهم طارت إعضاماً لها وتبجيلاً لصاحبها. وقوله لا خوف ظلم، أي يخافونه لا خوف ظلم وانتقام، ولكن خوف جلالة واحتشام، وتوقير وإعضام. ودل على يخافونه حتى انتصب عنه لا خوف قوله كأنما الطير منهم فوق هامهم. ولما كان غير هذا الشاعر أراد التخكم والسخربة قال في وصف قوم:

كأن خروء الطير فوق رؤوسهم

وقد مر ذلك.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.