من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال العرندس
أحد بني أبي بكر بن كلاب:
هينون لينون أيسار ذوو كرمسواس مكرمة أبناء أيسار
إن يسألوا الخير يعطوه وغن خبروافي العهد أدرك منهم طيب أخبار
وإن توددتهم لانوا وإن شهمواكشفت أذمار شر غير أشرار
العرندس في اللغة: الأسد العظيم، وكذلك الجمل. ويقال: هو هين لين وهين لين، والتشديد الأصل، والتخفيف على عادتهم في الهرب من ثقل التضعيف وما
يجري مجراه. والمعنى أنهم يلزمهم السكينة والوقار في مجالسهم. ويقال: جاء يمشي هوناً، وهو المصدر. والأيسار: جمع اليسر، وهم الذين يجتمعون في الميسر على الجزور عن الجدب والقحط، فيجيلون القداح عليها، ثم يفرقونه في الفقرار وأرباب الحاجة والضراء. ويقال: يسر إذا أجال قدحه، فهو ياسر ويسر. قال:
إذا يسروا لم يورث اليسر بينهمفواحش ينمي ذكرها بالمصايف
وقال أبو ذؤيب:
فكأنهن ربابة وكأنهيسر يفيض على القداح ويصدع
والمعنى أنهم يرجعون إلى سجاخة خلق، وسلامة طبع، موقرون في مجالسهم، متكرمون في عاداتهم وشؤونهم، متعطفون على الفقراء زمن الجدب بميسرهم، يسوسون المكارم ويعمرونها بعد ابتنائها، ولا يغفلون عنها؛ وأن هذا الخصال لم يرثوها عن كلالة، وأن آباءهم على ذلك درجوا وتقضوا. ثم قال: إن يسألوا الخير يعطوه، يريد أنهم لا يتقاعدون عن البذل في الحقوق والنوائب، ولا يحوجون إلى استخراج ذلك منهم بالعنف والاستقصاء بل يخرجون منها إلى أصحابها، والمطالبين بها؛ وإن جربوا عند جهد البلاء، واشتمال الشدة والبأساء، وحملوا أكثر مما يلزمهم، وأثل مما ينهض به حالهم، طابت أفعالهم، وحسنت أنباؤهم، والأحاديث عنهم. ومن انتمى بتقرب إليهم، أو تودد لهم، لانوا له، وانقادوا لما يريده من جهتهم. وإن أوذوا وأحرجوا انكشفوا عن أذمار شر - وهو جمع الذمر، وهو الشديد لا يطاق - وإن كانوا في أنفسهم وسجاياهم غير أشرار، إلا أنهم إذا جذبوا إلى الشر وألجئوا زادوا على الأشرار. وقوله شهموا أي هيجوا. ويقال: فرس شهم، أي حديد نشيط ذكي؛ ومنه الشبهم. ويقال شهم الرجل، إذا ذعر أيضاً، ويرجع في المعنى إلى الأول.
فيهم ومنهم يعد الخير متلداًولا يعد نثا خزى ولا عار
لا ينطقون على الفحشاء إن نطقواولا يمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهممثل النجوم التي يسري بها الساري
وصفهم بأن الخير مرجو من جهتهم، ومعدود في خصالهم قديماً وحديثاً، وسلفاً وخلفاً، ولا يعد في أفعالهم ما يخزى ذكره، والتحدث به، أو يجلب عاراً عليهم لدى الكشف عنه والتأمل له، وذلك لخاوص مناقبهم عما يشين ولا يزين، وحسن قصودهم فيما يتصرفون فيه فيتناولونه بالنقض والإبرام، ثم إن تكلموا فليس عن فحشاء يضمرونها، ولا عن نكراء ينطوون عليها، فكانت الأقوال توافق الضمائر وتقفوها، والظواهر تطابق السرائر وتتلوها، بل يولون الكلمة العوراء إذا أدركوها الغفول عنها، والإغضاء على القذى فيها، تحلما وترفعا. وإن جاذبوا غيرهم وحملوا على لجاج في نزاعهم عرفت نهاية جدالهم، ونكتوا فيما يدلون به من حجاجهم، فقولهم فصل، وإمساكهم قصد وعدل، لا إكثار ولا إسراف، إذ كان من أكثر أهجر، ومن أسرف أفحش؛ ولأن عادتهم الاقتصاد فيما يخافون أداءه إلى القبيح، والامتداد إلى أبعد الغايات فيما يحسن مسمعه عند ذوى التحصيل. وقوله من تلق منهم، يريد ان النباهة تشملهم، فكل منهم يتسم بسيما الرياسة، ويتصور بصورة السيادة، وهم في الاشتهار والتميز عن طوائف الناس كالنجوم المعروفة النيرة، التي يهتدي بها السابلة والمارة، ويتفقد المعرفة بها في طلوعها وأفولها أولو النحل والممارسات. وقوله فيهم ومنهم يعد الخير متلدا يريد ما يلزمهم من الخصال وما يتعداهم. وانتصب متلدا على الحال. ويقال: تلد وأتلد بمعنى. والنثا يستعمل في الخير والشر، والثناء يستعمل في الخير لا غير، ويقال: نثا الخبر ينثوه نثواً.
آخر:
رهنت يدي بالعجز عن شكر برهوما فوق شكري للشكور مزيد
ولو ان شيئاً يستطاع استطعتهولكن ما لا يستطاع شديد
يقول: غمرني بره وعجز حواملي نعمه، فاعترفت بالقصور، والقعود ن الوفاء بأداء الفروض، وجعلت يدي مرتهنة بالعجز، ولساني معقولة عن التصرف في الشكر، وإن كان لا مزيد على ما اتولاه منه لمبالغ في الحمد، ولا فوق اجتهادي غاية يرتقي إليها في النشر والثناء مرتق؛ فإني لم أوت من تقصير يلزني، أو إقصاء مع قدرة يدفعني، ولكن لكون مننه معجزة غير داخلة تحت استطاعتي؛ ومالا يطاق تحمله منيع، والنهوض به عسر شديد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع