تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال ابن هرمة

أغشى الطريق بقبتي ورواقهاوأحل في نشر الربى فأقيم
إن امرأ جعل الطريق لبيتهطنباص وأنكر حقه للئيم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «أغشى الطريق بقبتي ورواقها»

يقارب ما قاله قول الآخر:

يسط البيوت لكي يكون مظنةمن حيث توضع جفنة المسترفد
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «لمن الديار غشيتها بالفدفد»

وقول الآخر:

ويأبى الذم لي أني كريموأن محلي القبل اليفاع
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة

وذاك أن الكرام ينزلون الروابي والإكام، ويتوسطون الناس في أيام الجدب، وعند اشتمال القحط، لكي تهتدي إليهم السابلة والمارة، ويشترك في خيرهم الداني والقاصي. واللئام ينزلون الأهضام وبطون الأودية، ويتفردون عن الناس إبقاء على زادهم، وضناً بطعامهم، وتفادياً من أن تعرف أماكنهم فيكثر قصد أبناء السبيل لهم، ووطوهم إياهم، وتنضم الطوائف والفرق إليهم. لذلك قال المرقش:

وعاد الجميع نجعة للزعانف

أي تأوى الفرق القليلة إلى الجمع، لتعيش بعيشهم. فيقول: إني أنزل على الطريق وأبني عليها قبتي، وقد مد رواقها ورفع سمكها لتمتد العيون إليها، ويغشاني ذوو الحاجات فيها. وكذلك أحل التلاع والنشاز تشهيراً لمكاني، وتعرضاً لتعليق الآمال بي إذا اشتد الزمان، وأوثر الخمول والاندفان. والقباب يتخذها الرؤساء، فلذلك خصها بالذكر، ولم يرض بذلك حتى جعل لها روافاً ممدوداً، وموضعاً له من الطريق مغشياً موطوءاً.

ولمثل ذلك قال أبو تمام:

لولا بنو جشم بن بكر فيكمرفعت خيامكم بغير قباب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لو أن دهرا رد رجع جواب»

والنشز: ما ارتفع من الأرض. والربى: جمع ربوة. ولم يرض بالحلول حتى وصله بالإقامة. وقوله إن امرأ جعل الطريق لبيته طنباً، أراد جعل الطريق موضع طنب بيته، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ويجوز أن يكون على القلب، أراد: جعل طنب بيته للطريق، أي مما يليه، ثم لم يقم بحقه ولم يلتزم مايجب عليه فيه، للئيم. وإنما أعاد هذا الذكر تأكيداً لما يأتيه، واعترافاً بالواجب فيه. والأطناب: حبال البيوت، قال الشاعر:

تقطع أطناب البيوت بحاصب

وقد تسمى عروق الشجر أطناباً على التشبيه، وهذا كما سميت أذناباً وأشطاناً. قال:

تستقيبأذنابها قبل استقاء الحناجر

وقال آخر:

أشطانها في عذاب البحر تستبق

وقال آخر:

ومستنبح يستكشط الريح ثوبهليسقط عنه وهو بالثوب معصم
عوى في سواد الليل بعد اعتسافهلينبح كلب أو ليفزع نوم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»

كشط واستكشط بمعنى. فهو كعجب واستعجب. والكشط يقارب الكشف. ويقال: كشط الجلد عن الجزور، ويستعمل في الجزور خاصة كثيراً ولإن أجرى على غيره أيضاً. والجلد يقال له الكشاط؛ يقال: ارفع عنه كشاطه. والمعصم والمستعصم واحد، وهو المستمسك بالشيء. وإنما أراد أن يصور حال المستنبح وما هو ممنو به من البرد والريح.

وقوله عوى في سواد الليل أي نبح وصاح. وفي المثل السائر: لولك عويت لم أعو. وأصله المستنبح أجابه الذئب. ويقال فلان ما يعوى ولا ينبح إذا استضعف. ويقال للداعي إلى الفتنة: عوى، تشبيهاً له بالكلب وإزراء به. فأما قولهم للحازم: والاعتساف: الأخذ في الطريق على غير هداية. وإنما قال أو ليفزع نوم لأنهم إذا انتبهوا لصوته أجابوه أو رفعوا النار له وذلك على حسب مكانه في القرب والبعد. وجواب رب: عوى.

فجاوبه مستسمع الصوت للقرىله مع إتيان المهبين مطعم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»
يكاد إذا ما أصبر الضيف مقبلاًيكلمه من حبه وهو أعجم

يعني بمستمع الصوت: الكلب. ويقال: استمع بمعنى سمع، فهو كاستعجب وعجب. وإنما قال مع إتيان المهبين مطعم لسعة عيش الكلب فيما ينحر للضيف. والمهبون: الأضياف. ويقال: هب من منامه، وأهببته. وقوله يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلاً يكلمه، أي يكاد الكلب يلكم الضيف حباً له إذا أقبل، على عجمته. وانتصب مقبلاً على الحال، والكلب مما يوصف به

حبه للضيف، لذلك قال الآخر:

حبيب إلى كلب الكريم مناخهبغيض إلى الكوماء والكلب أبصر

وحبه للظاعن، لذلك قيل في المثل: " أحب أهل الكلب إليه الظاعن " وحبه لوقوع الآفات في المال، لذلك قيل في المثل: نعيم كلب في بؤسي أهله. واللام من قوله للقرى يجوز أن يتعلق بقوله جاوبه، أي لهذه العلة جاوبه، ويجوز أن يتعلق بقوله مستسمع الصوت.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.