من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال بعض بني أسد (٧)
وسوداء لا تكسي الرقاع نبيلةلها عند قرات العشيات أزمل
إذا ما قريناها قراها تضمنتقرى من عرانا أو تزيد فتفضل
أراد بالسوداء قدراً، ولا تكسي الرقاع في موضع الصفة لها.
وفي طريقته قول الآخر:
إذا النيران ألبست القناعا
وجعلها مكسوة قناعاً لأن الرقعة والرقعتين لا تكفي في سترها لعظمها. وإنما تستر القدور لشدة الزمان، بل تعطل وترفض لضيق الأحوال، وقصور الأيدي عن المراد، مع اتساع الغاشية وتورد الطلاب. ويشبه ما ذكره من جمع الرقاع لعظم القدر قول الأعشى، وقد وصف امرأة بعظم العجيزة:
تشد اللفاق عليها إزاراً
أي تلفق بين ثوبين حتى يتسع إزاراً لها.
ويجوز أن يريد أنها كبيرة لا يمكن سترها بالرقاع، أولا تستر، كما قال:
ولا ترى الضب بها ينجحر
والمعنى لا ضب هناك فينجحر.
وقوله نبيلة أي عظيمة الشأن، وخص قرات العشيات لأنها وقت الأضياف. والمراد: لها عند العشيات القرة أزمل، وهو الصوت، والمراد غليانها. والقر والقر والقرة: البرد.
وقوله إذا ما قريناها قراها، يريد إذا ملأناها فدراً وأوصالاً تضمنت لنا الكفاية لمن نابنا من حق، وأتانا من ضيف، أو تزيد عن المطلوب فتفضل على غيرهم ممن لا يعد في الوقت ولا يذكر. ويروى: فتفضل بفتح التاء، وهو ظاهر المعنى، والأول أحسن. وجعل المطبوخ في القدر قرى ليطابق قوله: تضمنت قرى من عرانا. وعادتهم في طباق الألفاظ ووفاقها في النظام معروفة.
وقال آخر:
سلي الطارق المعتر يا أم مالكإذا ما أتاني بين قدري ومجزرى
أيسفر وجهي أنه أول القرىوأبذل معروفي له دون منكري
الطارق: الآتي ليلاً. وسلى أصله أسألي فحذفت الهمزة وألقي حركتها على السين ثم استغنى عن الهمزة المجتنبة، لتحرك السين بالفتحة، فحذفت. والمعتر: المتعرض ولا يسأل. يقال: عره واعتره بمهنى. وفسر في التنزيل قوله تعالى: " فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " على ذلك، لأن القانع قيل هو السائل، والمعتر الذي يتعرض ولا يتكلم. وقال الأصمعي: عراه واعتراه وعره واعتره، إذا أتاه طالباً لمعروفه. وقوله إذا ما أتاني بين قدري ومجزري يريد إذا أتاني في موضع الضيافة ودارها بين مسقط الجزر ومنصب القدور. والمعنى: سلي أضيافي عن أخلاقي معهم، وكيفية إكرامي لهم في مثواهم، وهل أتدرج في مدارج الخدمة وأتوصل بأنواع التودد والقربة من ابتداء نزولهم، إلى انتهاء ذهابهم عني وخفوفهم. وإنما خاطب امرأة على عادتهم في نسبة الملامات بسبب التبذير والإسراف والتوسع في الإنفاق إليهن، وإقامة الحجاج والجدال في الأنصباب إلى جوانب الخسارات معهن. ويجوز أن يكون التبجح عندها بما يحمد من خصاله، فلذلك خصها بالخطاب.
وقوله أيسفر وجهي ي موضع المفعول الثاني لسلي، وقد اكتفى به لأن في الكلام إضمار أم لا. وساغ حذفه لما يدل عليه من قرائن اللفظ والحال. وقال سيبويه: لو قلت علمت أزيد في الدار لاكتفى به من دون إضمار. ولو قلت: سواء علي، أو ما أبالي، لم يكن بد من ذكر أم لا بعدهما. ومعنى قوله أنه أول القرى، يريد أن إظهار البشاشة للضيف وتطلق الوجه معه، وإظهار السرور بقصده ومثواه من أوائل قراه. ثم الترجيب به وإيناسه من بعد حتى كان ينتظر كما ينتظر الغائب الآيب، ثم المبالغة في الإنزال وحط الأثقال، وإظهار سعة الرحل والمكان إلى غير ذلك - مما يبسط منه، ويزيل الحشمة والانقباض عنه؛ لذلك قال:
وأبذل معروفي له دون منكري
لأن قوله معروفي دخل تحته كل محمود من الأفعال والرسوم، كما أن قوله دون منكري اشتمل على نفي كل مذموم من الخصال والأمور. وقيل: إن المنكر هو أن يسأل عن حاله ونسبه، وقصده في صفره، وكيفية مأتاه حين نزل به؛ لأن جميع ذلك مما يجلب عليه حياء، ويوسعه نفوراً وإمساكاً. والضمير من قوله أنه أول القرى لما يدل عليه قوله أيسفر وجهي؛ لأن الفعل يدل على مصدره. والمراد أن الإسفار أول القرى، وعلى هذا قولهم: من كذب كان شراً له، وما أشبهه.
آخر:
وإنا لمشاؤون بين رحالناإلى الضيف منا لاحف ومنيم
قذو الحلم منا جاهل دون ضيفهوذو الجهل منا عن أذاه حليم
قوله إنا لمشاؤون إبانة عن حسن خدمتهم للضيف، وعن قرب محطه من رحالهم ومقارهم. وقوله منا لاحف ومنيم يريد: ومنامنيم، فحذف لأن المراد مفهوم. وفي القرآن: " منها قائم وحصيد ". واللاحف والمنيم إنما ينهضان بعد تقضي الإطعام والإيناس. ألا ترى قول الآخر:
أحدثه إن الحديث من القرىوتعلم نفسي أنه سوف يهجع
وقوله قذو الحلم منا جاهل دون ضيفه في هذا البيت بعض ما في قول الآخر:
وأبذل معروفي له دون منكري
وإنما يتجاهل الحليم دون ضيفه إذا أوذى عند طلب ثأر من جهته أو تخشين جانب له بكلام أو فعال. وقوله: وذو الجهل منا عن أذاه حليم، يريد به وإن أخذ الضيف يؤذينا ترى الجهول يحتمله، ويغفر زلته، ولا يطلب مؤاخذته ومكافأته.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع