تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أبو الطمحان

إذا قيل أي الناس خير قبيلةوأصبر يوماً لا توارى كواكبه
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة
فإن بني لأم بن عمرو وأرومةسمت فوق صعب لاتنال مراقبه
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة
أضاءت لهم حسابهم ووجوههمدجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه

يقول: لو صمم الناس بالسؤال عنهم فقيل أيهم خير أصلاً وسلفاً وأيهم أصبر يوماً ومشهداً ترى كواكبه ظهراً، لكان يجيء في جواب هذا السؤال: بنو لأم بن عمرو؛ ولأن لهم منصباً علا شرفاً باذخاً، وعزا شامخاً لا تدرك مراقبه، ولا تنال مطالعه. والغرض من الجملة تفضيلهم على جميع الخلق. والأرومة: الأصل الثابت الراسي. وانتصب قبيلة على التمييز، وكذلك يوما. ويعني بذكر اليوم الوقعات والحروب. وعلى ذلك قولهم: يوم جبلة، ويوم الكلاب وما أشبههما. وقوله لا تواري كواكبه إن شئت فتحت فرويت: لا تواري كواكبه، والمعنى لا تتوارى كواكبه، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً. ومعنى لا تواري بضم التاء لا تستر، والأصل في هذا، وهو يجري مجرى الأمثال، يوم حليمة، وذلك أنه سدت عين الشمس في ذلك الغبار الثائر في الجو فرئيت الكواكب ظهراً، فقيل: ما يوم حليمة بسر، وصار الأمر إلى أن قيل في التوعد: لارينك الكواكب ظهرا. وأصل الصبر حبس النفس على الشر، لذلك قيل: قتل فلان صبراً. وقوله سمت فوق صعب، يريد: فوق جبل صعب يشق الارتقاء إليه. والمراقب هي المحارس، واحدتها مرقبة، وكل ذلك أمثال. وقوله أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم، يريد طهارة أنفسهم، وزكاء أصولهم وفروعهم، فهم بيض الوجوه نيرو الأحساب، فدجى ليلهم تنكشف من نور أحسامهم، حتى أن ثاقبه يسهل نظم الجزع فيه لناظمه، وهذا مثل أيضاً. ولهاء من ثاقبه يعود إلى ما دل عليه قوله أضاءت لهم أحسابهم، والثقوب: الإضاءة، ويقال: نار ثاقبة، وكوكب ثاقب، وحسب ثاقب، وقد ثقب أي اشتد ضوءه وتلألؤه. وكعنى نظم حمل على النظم وأقدر، فهو بمعنى انظم. ومثله كرم وأكرم. والضمير من ثاقبه يدل على ظاهره صدر البيت، فهو مثل قولهم: من كذب كان شراً له، ومن صدق كان خيراً له، يريد كان الكذب وكان الصدق، فكذلك هذا، كأنه قال: حتى نظم ثاقب حسبهم الجزع لناظمه.

وقال آخر:

يأيها المتمني أن يكون فتىمثل ابن زيد لقد خلى لك السبلا
أعدد نظائر أخلاق عددن لههل سب من أحد أو سب أو بخى

يقول: يا من يود ويشتهي أن يكون فتوته مثل فتوة عروة بن ويد الخيل، لقد خلى لك الطرق في اكتساب مناقب الفتوة وادخار أسبابها وموجباتها، فاسع واطلب، لأن مباغيك إن قدرت معرضة لك، وغير ممتنعة عليك، وسبلها غير منسدة ولا محجوبة عن ذهابك واختراقك، ثم قال: هات خصالك واعدد نظائر أخلاقه المعدودة له، وانظر هل أنت في اشتمال الكرم والتحاف العز بحيث لا تسب أحداً تعلياً وارتفاع منزلة، وفي نقاء الجيب وطهارة الأصل والفرع بحيث لا يسبك أحد توقياً وتعففاً، وهل تقف موقفاً تبعد فيه وتتنزه عن أن يقال: ما بخل بما في يده، ولا منع أحداً على رجائه به، فإنه حينئذ يبين لك تفاوت ما بينك وبينه.

وقال آخر:

لم أر معشراً كبني صريمتلفهم التهائم والنجود
أجل جلالة وأعز فقداًوأقضى للحقوق وهم قعود
وأكثر ناشئاً مخراق حربيعين على السيادة أو يسود

قوله تلفهم التهائم أي تجمعهم، وانتصب جلالة على التمييز، وكذلك قوله فقداً، ولا يجوز أن يكون مصدراً، أعني قوله جلالة، لأن أفعل هذا لا يؤكد بالمصدر، فهو من باب شعر وموت مائت، لأن أصله مأخوذ من جلال جليل. وانتصب أجل بفعل مضمر، كأنه قال: لم أر أجل جلالة منهم، لكنه اختصر وحذف. وقوله تلفهم التهائم موضعه نصب لأنه صفة لقوله معشراً، والتقدير: لم أر معشراً تلفهم الأغوار والأنجاد كبني صريم، وام أر أجل جلالة منهم أيضاً. وتهامة من الغور، بل هو أعمقها. ثم بين ما فضلهم فيه بعد أن أبهم، وفصل ما أجمل،

فقال: هم أتمهم رياسة وأفخمهم فخامة، وأشدهم على الناس فقداً، وأحسنهم في قضاء الحقوق الواجبة عليهم أداء، هذا وهم قعود. وإنما قال ذلك لأن الرئيس ينفذ أمره في مطالبة وإن لم يبرح مكانه. وأعز فقداً، يريد شدة حاجة الناس إلى حياتهم، لوفور فضائلهم وإفضالهم.

وقوله وأكثر نائشاً يريد به الشاب المبتدىء في اكتساب ما يعتلي به ويفوق أقرانه. وانتصاب ناشئاً على التمييز. والمخراق: بناء الآلة، فهو كالمفتاح، يريد أنه يتخرق في الحرب ويسعى سعياً بليغاً. وأصل المخراق هو ما يتلاعب به الصبيان من منديل يفتلونه، أو زق ينفخونه، أو ما يجري مجراهما. وسمي مخراقاً لأنه يخرق الهواء في استعمالهم إياه. لذلك قال:

كأن يدي بالسيف مخراق لاعب

وقوله يعين على السيادة أو لا يسود جمع بين الأمرين، وذلك لأن الفضلاء إذا قسموا ودرجوا في مراتبهم فهم من بين سيد يقوم بنفسه ويكمل بخصاله، ومن بين معين على السيادة يصلح لأن يكون تابعاً لا متبوعاً، ومسوداً لا سيداً.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.