تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال شقران مولى سلامان

لو كنت مولى قيس عيلان لم تجدعلى الانسان من الناس درهماً
ولكنني مولى قضاعة كلهافلست ابالي أن أدين وتغرما
للشاعر أبو قَطَن الغَنَوي شهيد الكرم، اقرأ القصيدة

يقول: لوكان ولائي في قيس عيلان لاقتديت بهم، واستننت بسنتهم في الكف عن الانفاق، وحبس النفس على شرائط الانقباض والإمساك، فكنت أرى خفيف الظهر في جميع ما يعرض، فسيح الصدر بكل ما يعن ويسنح، لم يركبني دين فأستنزل، ولاعبء على قلبي من كتقاض فأتضجره، لكن ولائي في قضاعة كلها فأتبسط في أخذ القروض إذا استغرقت ملك يميني، وأتوسع في إضافة ما لغيري إلى

مالي ثقة بأنهم يتحملون عني الأثقال إذا استحملتهم، وأنهم يعدون الغرامة غنماً إذا أحلت عليهم، فلا أبالي كيف تخرقت، وفي أي وجه من وجوه البر أنفقت، وإن كانت معلومة من لازم حق أؤديه، وعارض مكرمة أوفيه، إلى كل ما يكون التبجح به مشتركاً، واكتساب الفخر والأجر فيه مشتملاً. وقوله فلست أبالي أصله من البلاء النعمة، وقد تقدم القول في شرحه وما حصل بالاستعمال عليه.

أولئك قومي بارك الله فيهمعلى كل ما أعف وأكرما
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
ثقال الجفان والحلوم رحاهمرحى الماء يكتالون كيلاً غذ مذما
جفاة المحز لا يصيبون مفصلاًولا يأكلون اللحم إلا تخدما
للشاعر أبو قَطَن الغَنَوي شهيد الكرم، اقرأ القصيدة

أشار بقوله أولئك قومي إلى قضاغة، ثم أخبر عنهم بأنهم كثروا وطابوا ونموا بما جعل الله من البركة فيهم، فازدادوا. وقوله على كل حال تعلق بقوله بارك الله فيهم، وموضعه من الإعرابنصب على الحال، أي بارك الله فيهم متحولين في إبدال الدهر وتصاريفه من عسر ويسر، وسعة وضيق، وقلة وكثرة، وانحطاط وارتفاع. ثم قال مستأنفاً: ما أعفهم وأكرمهم، أي تمت عفتهم، وكملت أكرومتهم في حالتي الإعسار والإيسار، والإضافة والإيساع، والإقلال والإكثار. وقوله ثقال الجفان أي هم مطاعيم في الخصب والجذب، فجفانهم ثقيلة، وأفنيتهم بالواردوالطراق مأهولة معمورة، وحلومهم ثابتة قائمة، لا يستخفها جزع، ولا يطغبها فرح؛ وترى رحاهم لكثرة غاشيتهم وحشم دورهم، رحى الماء، إذ أنى الاكتفاء بيسير الزاد مع العدد الجم، والخير الدثر، والنعم الغمر، وإذ كان سائر الأرحام لا يستغني بها، ولا يفي بالمطلوب منه دورانها؛ ثم إذا كالوا اكتالوا واسعاً لااستقصاء فيه ولا مضايقة، فهو يجري مجرى ما يهال هيلاً، أو يؤخذ جزافاً لا كيلاً. والغذم: الأكل بسرعة، ومنه الغذمذم، وإن حضروا مقسم الجزر وتكرموا بتولي قسمها، وجدتهم يوسعون الحز، ويخطئون المفصل، إذ لم يكن فعل ذلك من عادتهم وطبائعم، لكونهم ملوكاً، ولأنهم متى تأخر الخدم عنهم لم يحسنوا التصرف في شيء من وجوه المهن، ولا دروا كيف تسلخ الجزر وتقتسم الأبداء، وإذا أكلوا اللحم على موائدهم لم تناوله إلا قطعاً بالسكاكين، لا نهشاً بالأسنان، إقامة للمروءات وذهاباً عن شنيع العادات.

وقوله إلا تخذماً انتصب تخذما على أنه مصدر في موضع الحال. والخذم: سرعة القطع، وفي التخذم زيادة تكلف. ويقال: سيف خذوم ومخذم. وقوله يكتالون كيلاً وضع كيلا موضع الاكتيال، كما وضع النبات موضع الإنبات، في قوله تعالى: " والله أنبتكم من الأرض نباتاً ".

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.