تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أبو دهبل في الأزرق

ماذا رزينا غداة الخل من رمععند التفرق من خيم ومن كرم
ظل لنا واقفاً يعطي فأكثر ماقلنا وقال لنا في وجهه نعم

الخل: الطريق في الرمل. ورمع: موضع، وقيل هو جبل باليمن. يقول: أصبنا وفجعنا غداة اجتماعنا لتوديع الفراق، بعظيم نبيه من الكرم والخيم، وهو سعة الخلق.

وقوله ظل لنا واقفاً يعطي يعني الأزرق. أي بقي نهاره واقفاً ونحن محتفون به ومجتمعون حوله، وأكثر ما قلناه في وجهه وخاطبناه به، وقال لنا في جوابه نعم. كأن القوم المعترين اكتفوا بعرض نفوسهم عليه من ذكر حاجاتهم لتمام كرمه، وكمال فطنته، وهو بعدهم الخير ويقرب لهم الإسعاف والبذل، ويقول لكل منهم: نعم، عالماً بما يقترحه، وضامناً لما يطلبه، وماء الوجوه في مواضعها لم تهرق.

ونعم: حرف إيجاب، ويعطي موضعه نصب على الحال.

ثم انتحى غير مذموم وأعيننالما تولى بدمع سافح سجم
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة
تحمله الناقة الأدماء معتجراًبالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة
وكيف أنساك لا نعماك واحدةعندي ولا بالذي أسديت من قدم
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «لما افتحت كتابي منشئا بيدي»

يقول: اعتمد، بعد الوقوف لنا والنظر في مآربنا، لوجهته، وهو ممدح بالألسنة، محبب في الصدور والأفئدة، وأعيننا لنوازع نفوسنا لما ولي، سيالة بدموعها. ومعنى سافح: ذو سفح، أي ذو انصباب. والسجم: جمع سجوم. وقوله تحمله الناقة الأدماء متجرأص، يريد ملتفاً. والاعتجار: لف المعجر، وهو العمامة، في الرأس من غير إدارة تحت الحنك. وقيل: بل المعجر ضرب من ثياب اليمن. وشبهها بالبدر في تلالئه ونوره. ألا ترى أنه قال: جل ليلة الظلم. وقوله: وكيف أنساك، يريد أن أياديه عنده تذكره لأنها كثرت وعمت وغمرت فلا يعرج على منفسة إلا كانت منه، ولا يردد نظره في ذخيرة إلا وكان السبب فيها، ولم تأت الليالي والأيام عليها فتقادم عهدها، وحال النسيان دونها، بل هي غضة طرية تنادي على نفوسها، وتلوح الجدة على على صفحاتها، وتحمي من الدروس ذكر موليها. وقوله لا نعماك واحدة في موضع الحال من لا لأنساك. وقد تقدم القول في الإسداء وأصله.

وقال أيضاً فيه:

ما زلت في العفو للذنوب وإطلاق لعان بجرمه غلق

حتى تمنى البراة أنهمعندك أمسوا في القد والحلق

قوله في العفو في موضع النصب على أنه خبر مازال، والجار منه تعلق بمضمر، كأنه قال: مازلت آخذاً في العفو وداخلاً فيه، إلى أن تمنى من لا جرم له أن يكون جارماً عليك حتى يتوفر عليه نظرك وإحسانك.

وأم أبو تمام بهذا المعنى فقال:

وتكفل الأيتام عن آبائهمحتى وددنا أننا أيتام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

فعده كثير من أصحاب المعاني خطأ فيه، وقالوا: جعله لا يعرف مواضع الصنيعة إذ صار الناس يمنون منزلة الأيتام عنده وحرماتهم لديه حتى ينالهم إفضاله، ولو ساغ هذا القول فيما قاله أبو دهبل، وهو تمني البراة أن يكونوا أسراء مصفدين لديه حتى يلحقهم إحسانه، إذ لا فرق بين الموضعين. ولم ينكر أحد من المتقدمين والمتأخرين ما قاله أبو دهبل ولا قدحوا فيه. وقد أحكمت القول في التسوية بينهما في رسالة الانتصار، من ظلمة أبي تمام، وبينت أن المعنى الذي انتحاه سليم من العيب صحيح.

والعاني: الأسير. والغلق: المتروك لا يفك.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.