تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقالت ليلى الأخيلية

يا أيها السدم الملوى رأسهليقود من أهل الحجاز بريما
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

السدم والسادم: النادم الحزين، وقيل بل السادم مأخوذ من المياه الأسدام، وهي المتغيرة لطول المكث. والسدم أيضاً: الفحل العظيم الهائج. والسدم أيضاً: اللهج بالشيء. وحكى أبو حاتم قال: قلت للأصمعي يوماً: إنك تحفظ من الرجز ما

لم يحفظه أحد. فقال: إنه كان همنا وسدمنا. والبيت يحتمل الوجوه الثلاثة فيه. والملوى رأسه يجوز أن يكون مثل قول الآخر:.......... غارزاً رأسه في سنة...........

والمراد: كأنه ملكه التحير فهو يلوى رأسه. وتلويه الرأس كما يكون من الفكر والتحير فقد يكون من الكبر والتبجير، وقلة الاحتفال بالمحتضر كقوله تعالى: " فسينغصون إليك رءوسهم ويقولون متى هو ". فالنغص كالتلوية وإن كان النغص أقرب إلى الحقيقة.

وقولها ليقود من أخل الحجاز بريماً، فأصل خيط يفتل من قوى بيض وسود. ويقال: قطيع بريم، إذا كان خلطان ضأن ومعزى. وقال الدريدي: كل لونين اجتمعا مثل السواد والبياض فهو البريم، وإنما يتخذون البريم من الخيوط ليشد في أحقى الصبيان فيدفع به العين. والمراد به هنا جيش متفاوتون أدنياء، كالبريم وهو الخيط المبرم من عدة ألوان. والقصد فيما ذكرته إلى الإنكار على المخاطب فيما يأتيه، وتوبيخه فيما حدث به نفسه من قود جيش إلى عمروبن الخليع، كما وصفته.

أتريد عمرو بن الخليع ودونهكعب إذا لوجدته مرءوما
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
إن الخليع ورهطه في عامركالقلب ألبس جؤجؤا وحزيما
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

تقول مقرعة ومقبحة لما أنكرته من مخاطبها وموبخة: أتقد بما هممت به من جمع الجموع الحجازية عمرو بن الخليع وحوله بنو كعب، إذا لوجدته معطوفاً عليه، محروساً منك ومن لفيفك. أما علمت أن الخليع وعشيرته من بني عامر بمكان القلب من النفس، قد التف به الصدر والحزيم، وحماه الحشا والجوف.

والحزيم والمحزم: موضع الحزام من الصدر. يقال للرجل إذا أريد تشمره: شد حزيمك للأمر، وحيازيمك وحيزومك. والحيزوم: وسط الصدر. والمعنى: أن مكانه من الحي مكين، ومحله من جانب المنع منه والدفاع دونه عزيز مصون. ويقال: رأمته رأماً ورئماناً. والمعنى: كيف يقع في نفسك نزاعهم، أو يتصور في وهمك غلبهم.

ثم أخذت تحذر فقالت: لا تغزونهم ولا تستشعرون ذلك فيهم.

لا تغزون الدهر آل مطرفلا ظالماً أبداً ولا مظلوما
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
قوم رباط الخيل وسط بيوتهموأسنة زرق يخلن نجوماً
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
ومخرق عنه القميص تخالهوسط البيوت من الحياء سقيما
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
حتى إذا رفع اللواء رأيتهتحت اللواء على الخميس زعيماً
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

نهته عن غزوهم على كل حال. وانتصب ظالماً على الحال. فيقول لا تقصدهم طامعاً فيهم ومحارباً لهم، لا منتقماً ولا مبتدئاً، فإنك لا تطيقهم، إذ كان همهم الغزو، ومربط خيولهم وسط بيوتهم، يضمرونها ويتفرسون على ظهووها، ولا يأتمنون عليها في سياستها وصنعتها إلا أنفسهم، فلا ترى إلا من يهذب آلته للحرب ويصلحها، فمركوبه صنيع، وسنان رمحه مجلو سنين، ونفسه مبتذلة فيما يحصل به أكرومة، لا يهمه مطعوم ولا ملبوس. ثم لفرط حيائه وتناهي كرمه تحسبه وسط بيوت الحي سقيماً، قلة كلام ولين جانب، وضعف مجاذبة، فإذا نصب لواء الجيش مجهزاً لطلب وتر، وانتواء غزو، أو محاماة على ولي، أو سد ثغر، رأيته مهيأ للزعامة، معتمداً للرياسة والسياسة، غير مزاحم ولا مدافع.

وقال آخر:

نحن الأخايل لايزال غلامناحتى يدب على العصا مذكورا
تبكي السيوف إذا فقدن أكفناجزعاً وتعلمنا الرفاق بحورا
ولنحن أوثق في صدر نسائكممنكم إذا بكر الصراخ بكورا

الأخايل جمع، وهي قبيلتها. ويقال للشاهين الأخيل، والجميع الأخايل. فأما قول الشاعر:

له بعد إدلاج مراح وأخيل

فهو الخيلاء، والفعل منه اختال. ومراد الشاعر: نحن المعروفون المشهورون، كما قال أو النجم:

أنا أبوالنجم وشعري شعري

أي أصحاب هذا الاسم النبيه الخطير. ولا يزال غلامنا أي الغلام منا وفينا، من وقت ترعرعه إلى وقت دبيبه، معتمداً على عكازه، رفيع الذكر على الشأن تقدماً وتكرماً. والسيوف إذا فقدت أيدينا بكت حنيناً إليها، وجزعاً على ما يفوتها منها. والمرافقون في الأصفار لنا تعلمنا بحوراً، لما يقسم لهم من إفضالنا، ويعمهم من تفضلنا، ولحسن توفرنا على الرواد والوارد، ويمن صحبتنا على الأداني والبعداء. وقوله ولنحن أوثق في صدور نسائكم، يريد انهن إذا صبحن بالغارة فارتفع لما يتداخلن من الرعب الصراخ، لأنهن خفن السباء وما يلحق من العار، فقلن: واصباحاه أو واسوء صباحنا! واسم ذلك الصوت الصرخة والصراخ، وفي المثل: لهم صرخة الحبلى. ومعنى البيت أنا في ذلك الوقت أوثق في اعتقاد النساء، وفيما يشتمل عليه ظنهن ويعتمده استقامتهن منكم، لما عرفن من ذبنا وحمايتنا، واشتهرنا به من غيرنا وحميتنا.

آخر:

يشبهون سيوفاً في صرائمهموطول أنضية الأعناق والأمم
إذا غدا المسك يجري في مفارقهمراحوا تخالهم مرضى من الكرم
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

يقال: شبهته كذا وبكذا، كما يقال نصحتك ونصحت لك. والصرائم: العزائم، والواحدة صريمة. وقال الخليل: الصريمة إحكامك الأمر وعزمك عليه. وكان أصله من الصرم: القطع. والأنضية: جمع النضى؛ وهو مركب النصل في السيف في

الأصل، والمراد به هنا مركب الرأس في العنق. ونضى السهم: قدحه، وهو ما جاوز من السهم الريش إلى النصل. وأنشد الخليل في ذلك:

فمر نضى السهم تحت لبانهوجال على وحشية لم يعتم

والأمم: جمع أمة وهي القائمة؛ يقال: ما أحسن أمته. وقوله راحوا تخالهم مرضى من الكرم، أي من الحياء. وصفهم بالصرامة والنفاذ في الأمور، فكأنهم السيوف؛ وبطول القوام وحسن الشطاط، وباستعمال العطر وكرم النفس وشدة الحياء بعد الشرب، وبتمام الأبهة والمروءة في مجالس الأنس. وهذا وإن لم يصرح به فهو متبين من فحوى: إذا إذا المسك راحوا وكأنهم مرضى. على ذلك رسم الاصطباح، وعادة كرام شراب الراح.

وقال آخر:

فإن تكن الحوادث حرقتنيفلم أر هالكاً كابني زياد
هما رمحان خطيان كانامن السمر المثقفة الصعاد
تهال الأرض أن يطئا عليهابمثلهما تسالم أو تعادي

يقول: إن كانت نوائب الزمان أثرت ي وأزالت تحملي بالصبر، وتجلدي لريب الدهر، فإني لم أر فيمن شاهدتهم هالكاً كهذين الرجلين؛ وابنا زياد لم يكونا منه بسبيل، لا قربي ولا قرابة، ولا آصرة ولا وسيلة، فيكون الكلام تأبيناً والشعر مرثية؛ وإنما كان من جملة من تأذى بهم، وساقوا الشر إليه بسعيهم، لكنه شهد لهما بما شهد، مورداً الحق، وتابعاً الصدق، فهو بالمدح أشبه منه بالمراثي، إذ كان الرثاء من شرطه التوجع والتحزن وقد عدما هنا، والثناء على العدو ثناء على نفسه. ويجوز أن يكون المراد: لي بهما على فضلهما ونفاذهما وتقدمها، أسوة في الرضا بما قدر لي، والصبر على حكم به علي، ولأن الأرض لو هابت ماشياً على ظهرها، لكانت تهاب هذين لما أوتيا من قدرة، وأبلغنا من عز وقوة. وشبههما برمحين استواء خلقة وامتداد قامة، وسرعة نفاذ وحسن وجه. والسمرة في ألوان الرماح محمودة. والصعدة: القناة تنبت مستوية. وقوله من السمر

المثقفة الصعاد، سوى بينهما في التشبيه حتى لا مخالفة، تنبيهاً على ما يقصد من المبالغة وتناهي البراعة. وقوله تهال الأرض أن يطئا عليها أي لأن يطئا عليها، فحذف الجر. يريد: أن قوتهما بالغة، ومشيهما شديد، والأرض لشدة وطئهما لها في هول عظيم، وزلزال فضيع. ويجوز أن يريد بالأرض أهل الأرض فحذف المضاف. ثم قال: وبمثلهما تسالم أو تعادي، يريد أنهما أهل الصلاح والفساد والخير والشر، والعدارة والصداقة. وأو من قوله أو تعادي أو الإباحة وقد نقل إلى الخير.

آخر:

كريم يغض الطرف فضل حيائهويدنو وأطراف الرماح دوان
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «كريم يغض الطرف فضل حيائه»
وكالسيف إن لا ينته لان مسهوحداه إن خاشنته خشنان

يصفه بأن خصال الكرم قد اجتمعت فيه، فلتناهى حيائه تراه يكسر طرفه عند النظر، فعل من عمل ما يستحيا منه، أو لزمه منة منعم توالي نعمه عليه، أو قصر في أداء واجب فيخاف عتبه فيه؛ ولكمال حميته في الحرب يقتحم على الشر، فلا يزداد والرماح شارعة نحوه إلا قرباً منها، وتهجماً عليها، ثم هو في طباعه كأنه السيف متى لاينته وجدت اللين في صفحتيه عند ملمسه، ومتى خاشنته وجدت القطع والخشونة في حديه ومضربه.

ومثل هذا قول الآخر:

ضرباً ترى منه الغلام الشطباإذا أحس وجعا أو كربا
دنا فما يزداد إلا قرباتحكك الجرباء لاقت جربا

وقد مرت مستقصى شرحها في باب الحماسة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.