من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال مسكين الدرامي
كأن قدور قومي كل يومقباب الترك ملبسة الجلال
كأن الموفدين لها جمالطلاها الزفت والقطران طال
بأيديهم مغارف من حديدأشبهها مقيرة الدوالي
جعل قدور قومه متبجحاً بها، منصوبة في كل وقت. وجعلها لكبرها مشبهة بخر كاهات الترك وقد جللت وألبست أغطية سوداء. وقوله كأن الموفدين لها، يريد المزاولين لها في نصبها وإنزالها، وطبخها وتهيئتها. والموفد: المشرف على الشيء العالي له. وانتصب ملبسة الجلال على الحال. وشبه الموفدين في سواد ثيابهم وتدنسها بالغمر وتلطخها بالدرن بجمال مطلية بالقطران. والزفت، عهو القار، وقال الدريدي: أصله معرب، وقد تكلمت العرب به كثيراً، وفي الحديث: نهى عن الدباء والمزفت. ويقال: طلاه كذا وبكذا، فهو مطلي.
وقوله بأيديهم مغارف من حديد جعل القدور كالأنهيار او البحور، والمغارف لها كالدوالي المقيرة، لاحتمالها الماء من الأنهار وصبها إلى أعاليها. وجعل المغارف سوداً لما علق بها في الممارسة من سواد القدور والنار، ومن زهومة اللحم والشحم. وقوله أشبهها مقيرة الدوالي، يقال: شبهته كذا وبكذا. وموضع الجملة رفع على الصفة للمغارف.
وقال آخر:
أعاذل بكيني لأضياف ليلةنزور القرى أمست بليلاً شمالها
أعامر مهلاً لا تلمني ولا تكنخفياً إذا الخيرات عدت رجالها
بكيني، أي أكثري البكاء لي وكرريه، من أجل أضياف ليلة قليلة القرى، لإمساك الناس عن الإنفاق، وإعوازهم الزاد، وقد أمست ريح الشمال فيها ذات بلل وشفان للندى البرد، فإذا ورودوا فقدوا حسن تفقدي لهم، وتوفري عليهم. وقوله أعامر مهلاً جمع على نفسه لائمة ولائماً، فيقول: يا عامر رفقاً في عتبك علي، ولومك إياي، واقتج بي في طلب السمو والاستعلاء على الأفران. فأما انتقاله عن ذكر اللائمة إلى مذكر، فمثله قول تأبط شرا:
يامن لعذالة خذالة أشبحرق باللوم جلدي أي تحراق
ثم قال:
عاذلتا إن بعض اللوم معنفةوهل متاع وإن أبقيته باق
والمراد بيان تعاون العشيرة في اللوم والإنكار، وتساعد رجالهم ونسائهم على الوعظ والإنذار. وقوله ولا تكن خفياً، يريد اتخذني إسوة واعمل على أن تكون ساكي الذكر، عالي الصيت، حتى لا يخفي إذا عدت رجال الخيرات أمرك، ولا ينمحي إذا بانت الصالحين أثرك. وأشار بالخيرات إلى الخصال الصالحة والخلال الشريفة. وواحدتها خيرة. وليست هذه التي تكون في موضع أفعل من كذا ومعناه، كقولك فلان خير من فلان، بل هي الواردة في قوله ﷿: " فيهن خيرات حسان ". وفي قول الشاعر:
وأمها خيرة النساء عليما خان منها الدحاق والأنم
أرى أبلي تجزي مجازي هجمةكثير وإن كانت قليلاً إفالها
مثا كيل ما تنفك أرحل جمةترد عليهم نوقها وجماله
قوله أرى إبلي تجزي يقول: أجد إبلي تقضي عني وتحصل في النيل منها وتورد الحقوق إياها محاصل هجمة، وهي القطعة من الإبل بين الستين إلى المائة. والجزية من هذا، وهي الخراج الموضوع، لأنها قضاء لما عليه أخذ. وفي القرآن: " واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً "، أي لا تقضي ولا تغنى. وفي الحديث: " كان رجل يداين الناس، وله كاتب ومتجاز ". وقوله: وإن كانت قليلاً إفالها، يريد وإن كانت ضعيفة النسل، قليلة العدد. والإفال: صغار الإبل واحدها أفيل، وإنما قلت إفالها لذهاب التثمير والزكاء عنها، ولكونها محبسة بالأفنية، مقصورة على الحقوق، مصروفة إلى أرزاق العفاة. يشهد لذلك قوله مثاكيل، وهي جمع مثكال: التي تثكل أولادها كثيراً؛ لأن ربها يفصل دائماً بينها وبين أولادها بالنحر تارة وبالهبة أخرى. وقوله ما تنفك أرحل جمة، أي لا تزال أرحل جماعة منزله. وفي الحديث: " إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال ". أي لا يزال مأوى جماعة تصرف إليهم إذا وردوا ذكورها وإناثها. أما إناثها فللحلب، وأما ذكورها فللنحر.
وأصل الجمة الجماعة ترد في سؤال تحمل الديات عنهم إذا ثقلت، أو السعي في صلح أو الدم بين عشائر. قال:
وجمة تسألني أعطيت
وجعله اسم الجماعة من الناس وإن وردوا لغير ذلك القصد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع