تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال آخر (٣١)

وسع بمدك ماء اللحم تقسمهوأكثرالشوب إن لم يكثر اللبن
وسع به وتلت حول حاضرهإن الكريم الذي لم يخله الفطن

قوله بمدك مصدر مددت القدر، إذا أكثرت مرقها. ويقال: مددت الدواة أيضاً، إذا كثر مرق قدرك ليتسع لغاشيتها، وأكثر خلط اللبن إن لم يكثر في نفسه ولم يتسع لوارده. والشوب: مصدر شاب يشوب، إذا خلط وهذا مثل ما سار به المثل، وهو مثل الماء خير من الماء. وأصله أن رجلاً استسقى غيره لبناً، فقال: إنه مثل الماء، أي فضلة بقيت من لبن مشوب. فقال المستسقي: مثل الماء خير من الماء. يريد أن المشوب من اللبن خير من الماء القراح. ومثله قول الآخر:

نمد لهم بالماء من غير هونهمولكن إذا ما ضاق شيء يوسع

وقوله وسع به وتلفت حول حاضره يريد كثره والتفت فيمن حولك من جار ومحتاج، ولا تنتظر بما تفرقه السؤال والطلب، ولكن ليكن من نفسك باعث على

تمييز المحتاج، والنظر له، والإفضال عليه؛ لأن الكريم هو الذي لا يخليه فطنه، والتفاته ونظره. واللؤم: سوء التغافل.

وهذا كما قال الآخر:

إن الكريم من تلفت حولهوإن اللئيم دائم الطرف أفود

وقال آخر

إذا هي لم تمنع برسل لحومهامن السيف لاقت حده وهو قاطع
ندافع عن أحسابنا بلحومهاوألبانها إن الكريم يدافع
ومن يقترف خلقاً سوى خلق نفسهيدعه وترجعه إليه الرواجع

قوله إذا هي لم تمنع، يعني الإبل. فيقول: إذا لم يكن في النوق لبن تحمي نفوسها به من العقر عند نزول الضيفان لاقت حد السيف وهو يجزرها ويقطعها. ومثله قول الآخر:

وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعهاعلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خَلِيلَيَّ عُوجَا عَوْجَة ً نَاقَتَيْكُمَا»

وأبلغ منهما قول الآخر:

فتى لا يعد الرسل يقضي ذمامهإذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر

وقوله ندافع عن احسابنا بلحومها، يريد بإطعام لحومها، وسقى ألبانها لأن عادتنا تفرض علينا المدافعة عن الكرم، والمحاماة على الشرف، وذلك خلقنا الذي ننشأ عليه، وننبت فيه، ومن يتعاط خلقاً مستجداً مخالفاً لما ألفه وتعوده يفارقه ويرجع إليه الخلق الأول. ومثله قول الآخر:

كل امرىء راجع يوماً لشيمتهوإن تخلق أخلاقاً إلى حين

والقرف يكون من الذنب والجرم، يقال: هو يقترف ذنباً، أي يأتيه ويفعله، ويقال أيضاً: هو يقترف لعياله، أي يكتسب. واقترف حسنة، أي اكتسبها. وقوله:

وترجعه إلى الرواجع، يقال: رجع فلان من كذا رجوعاً، ورجعته أنا رجعاً، ومثله صد وصددته، وكسب وكسبته.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.