من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال حماس بن ثامل
ومستنبح في لج ليل دعوتهبمشبوبة في رأس صمد مقابل
فقلت له أقبل فإنك راشدوغن على النار الندى وابن ثائل
المشبوبة: النار، وتوسعوا فقيل: شببت الحرب، كما قيل شببت النار. ولج الليل: معظم ظلمته، وكذلك لج البحر. والصمد: الجبل أو الأرض المرتفعة. جعل ناره في يفاع مقابل لسمت الضيف، فدعاه بها لما أعلاها ورفعها حتى اهتدى لها. وهذا مثل ما قد شرحته.
وقوله فقلبت له أقبل فإنك راشد أي قويت نفسه في النزول، وأريته استبشاري له وانتظاري إياه. ألا ترى أنه قال: وإن على النار الندى وابن بامل. ولولا اشتهاره بالطول والإفضال لما قال ذلك. وهذا مثل قول الأعشى:
وبات على النار الندى والمحلق
وداع دعا بعد الهدو كأنمايقاتل أهوال السري وتقاتله
دعا بائساً شبه الجنون وما بهجنون ولكن كيد أمر يجاوله
يعني بالداعي مستنبحاً طلب بعد أن مضى من الليل قطعة من يغيثه ويستنقذه من هول الليل، وبلاء الضر، حتى كأنما كان يقاتل أسباب السري لشدة الأمر عليه، وتقاتله، أي بلغ الحال به حداً رأى السري تغالبه عن نفسه، وتصارعه عنها.
وقوله دعا بائساً يعني كلباً ذا بؤس لضرر القحط، ويكون على هذا مفعولاً. ويجوز أن ينتصب على الحال للداعي، أي دعا وهو ذو بؤس. ويجوز أن يريد دعا دعاء عن بؤس يشبه الجنون. فأما تكريره للدعاء فهو لتهويل الأمر وتفظيع الشأن. وانتصب شبه الجنون أي دعاء يشبه الجنون، فهو صفة للمصدر المحذوف. قال: وليس به جنون، لكنه يكابد أمراً، ويعاني مشقة وضراً، فهو يطلب الخلاص من محنة
لا طريق للمخلص الا على ذلك الوجة. وتحقيق الكلام: ليس به جنون، ولكن به كيد أمر يطلب دفعه والسلامة منه.
فلما سمعت الصوت ناديت نحوهبصوت كريم الجد حلو شمائله
فأبرزت ناري ثم أثقبت ضوءهاوأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
يقول: جمعت في تلقيه وإغائته بين الأسباب التي يستنزل بها الضيف، ويستقبل بها الجيران؛ لإشالته من صرعته، واشتلائه من محنته، فناديته بنفسي على رفع من صوتي، وهو صوت رجل كريم الأصل، حلو الطبائع، سهل الجانب، حسن الاشتمال على الضيف، وجعلت ناري في براز، وهو المرتفع من الأرض. ومثل البراز البرز. وقال:
يظل على البرز البفاع كأنه
قال: ثم أيدتها بثقوب يرتفع الضوء له، ويقوى به، وأخرجت كلبي من مقره، وهو لشدة البرد ملازم للبيت لا يخرج، كل ذلك فعلته تقريباً للأمر على الضيف، وتسهيلاً لهدايته. وقوله وهو في البيت داخله في البيت موضعه خبر الابتداء وليس بلغو، وداخله خبر ثان، والهاء من داخله يعود إلى البيت كأنه قال: وهو مستقر في البيت داخل فيه، ولا يمتنع أن يكون داخله في موضع البدل من قوله في البيت، ويكون كقولك زيد داخل البيت وخارجه.
فلما رآني كبر الله وحدهوبشر قلباً كان جما بلا بله
فقلت له أهلاً وسهلاً ومرحباًرشدت ولم أقعد إليه أسائله
يقول: لما رآني هذا الضيف قال: الله أكبر! استبشاراً واغتباطاً بما تعجل له من الفرح، وفرح قلباً كانت غمومه مجتمعة عليه يأساً من الخير في مثل مكانه، وطمعاً فيما يستبقيه من حياته؛ فقلت له: أتيت أهلاً لا غرباء، ووردت سهلاً من الأفنية لا حزناً، وتعمدت رحباً من الأماكن لا ضيقاً، وصحبت الرشاد في عدولك إلى لا الضلال، ورافقت السعادة لا الشقاء والهلكة، ولم أقعد إليه مسائلاً عن أخباره وعما أداه إلى أرضي في انتقالاته، بل عمدت إلى الاحتفال له، وقصرت سعيي على ما يقتضيه إنزاله، وعلى تهيئة القرى والأنزال له. وانتصب وحده علىالمصدر، لأنه موضوع موضع الإيجاد، أي أوحد الله إيحاداً.
فقمت إلى برك هجان أعدهلوجبة حق نازل أنا فاعله
بأبيض خطت نعله حيث أدركتمن الأرض لم تخطل على حمائله
يقول: وقمت إلى إبل باركة بالفناء، كريمة بيض، أعدت لواجب حق ينزل بي. وزاد الهاء في وجبة للمرة الواحدة، ويجوز دخولها لهذا المعنى في المصادر كلها، وقد شرحت القول في لفظه هجان ووقوعه بلفظه للواحد والجمع. وقوله بأبيض تعلق الباء منه بقوله قمت. واللام من قوله لوجبة حق متعلق بقوله أعده، وموضع الجملة صفة للبرك، كما أن قوله أنا فاعله صفة للحق. والمعنى: قمت وقد تقلدت سيفاً مصقولاً، تخط حديدة جفنه في الأرض إذا أدركتها خطأ؛ وليس ذلك لأن حمائله اضطربت علي أو قصرت قامتي عن ارتدائها لطولها، ولكن تختط حيث تدرك، لارتفاع أرض أو عارض حال. والحمائل: جمع الحمالة. وإذا طال النجاد خطل على لابسه واضطرب. وافتخارهم بامتداد القامة وطول الحمالة معروف. والنعل: الحديدة التي يغشى بها أسفل الجفن. وعلى ذلك قوله:
طويل نجاد السيف ليس بجيدر
فجال قليلاً واتقاني بخيرهسناماً وأملاه من الني كاهله
بقرم هجان مصعب كان فحلهاطويل القرى لم يعد أن شق بازله
قوله جال قليلاً انتصب قليلاً على الظرف، أي زمناً قليلاً. وفاعل جال هو البرك. ويجوز أن ينتصب قليلاً على انه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: جال جولاً قليلاً؛ فأقام الصفة مقام الموصوف. لأن المراد مفهوم. والمعنى: لما بصر البرك بي ثارت من مباركها، لما يغشاها من الخوف المعتاد لها واضطربت، ثم انقتني - أي جعلت بيني وبينها - بأتمكها سناماً، وأملاها من الني كاهلاً. والني: الشحم واللحم. وانتصب سناماً على التمييز. وارتفع قوله كاهله بفعل مضمر دل عليه وأملاه، كأنه قال وأملاه من الني قال امتلأ كاهله. ويشبه قول الآخر في إضمار الفعل، وإن كان ناصباً وذاك رافعاً،
وهو:
وأضرب منا بالسيوف القوانسا
وانتصاب القوانس بفعل مضمر دل عليه وأضرب منا، كما ان ارتفاع الكاهل بفعل دل عليه: وأملاه. وقوله بقرم هجان أعاد حرف الجر فيه، وهو بدل من قوله: بخيره سناماً. ومثله في إعادة حرف الجر في المبدل قوله تعالى: " قال الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ". والهجان، وصف به الواحد هاهنا، فهو في زنة قولهم: ناقة دلاث، وخمار. وفي قوله برك هجان وصف الجمع به، فهو كظراف وحسان. والمصعب: الفحل الكريم الذي لا يبتذل في العوارض، بل يقصر على الفحلة. وقال الخليل: هو الذي لم يركب قط ولم يمسه حبل. ويقال أصعب الفحل فهو مصعب، وبه سمى الرجل إذا كان مسوداً مصعباً. وقوله كان فحلها رجع الضمير إلى البرك، أي كان هذا القرم فحل هذه البرك، وهو طويل الظهر لم يتجاوز بازله أن انشق اللحم عنه. يعني أنه كان في غاية ما يراعي من شبابه وقوته. والبزول: في السنة التاسعة. والمعنى أنه لم يعد هذه الحالة إلى ما وراءها، فكان يضعف.
فخر وظيف القرم في نصف ساقهوذاك عقال لا ينشط عاقله
بذلك اوصاني أبي وبمثلهكذلك أوصاه قديماً أوائله
خر: سقط، يخر خروراً. وخر الماء يخر خريرا. في الطلام إضمار، كأنه قال اتقاني بخيره فعرقبته فخر وظيفه. ويروى: فحز وظيف القرم في نصف ساقه، وفاعل حز يكون السيف، أي عقرتها فعمل السيف في وظيفة وأندره من نصف ساقه، وذلك شد عاقله لا ينشط، أي لا يحتاج إلى إحكامه وإبرامه لأنه لا يقع إلا مبرماً. ويقال نشطت العقد تنشيطاً، إذا أحكمته؛ وأنشطته، إذا حللته. وعقد عليه بأنشوطة، إذا جعله مهيئاً للحل مقربا أمره فيه. ومما يجري مجرى المثل: " كأنما أنشط من عقال ". وذكر بعضهم أن الشاعر سها فوضع نشط موضع أنشط؛ لأن المراد ذاك عقال
عاقله لا يحله ولا ينقض مايبرم منه. وكلام الشاعر سليم من العيب قويم. والمعنى فيه ما ذكرت. وقوله بذلك أوصاني أبي وبمثله، يعني في أمر الضيف أتي، بذا الفعل الذي وصفت وصاني أبي وبما يماثله. ثم قال: كذلك أسلافه أوصوه قديماً. وموضع كذلك نصب على الحال، وانتصب قديماً على الظرف، والمعنى أني لم أرث ذلك عن كلالة، وإنما ورثناه أباً عن أب وخلفاً عن سلف.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع