من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الفرزدق (٤)
وداع بلحن الكلب يدعو ودونهمن الليل سجفا ظلمة وغيومها
دعا وهو يرجو أن ينبه إذ دعافتى كابن ليل حين غارت نجومها
بعثت له دهماء ليست بلقحةتدر إذا ما هب نحساً عقيمها
قوله داع بلحن الكلب، يعني مستنبحاً تكلف نبيح الكلب في صوته، ولحن لحنه، وفعل ذلك إذ حال بينه وبين المناظر من الليل ستران من الظلم، والتباس الغيوم. وإنما قال سجفا ظلمة وغيومها تأكيداً، كما قيل: " ظلمات بعضها فوق بعض " ولهذا لم يرض بذلك حتى أضاف إليه ظلمة السحاب أيضاً المغطية للكواكب.
وقوله دعا وهو يرجو أن ينبه إذ دعا، يقول: استنبح، وهو يؤمل أن ينتبه لدعائه وينبعث فتى كغالب، حين غارت النجوم بالليل، والأهوال متراكمة، وظلم الليل والسحاب متراكبة، واستيدت فرج السماء وآفاق الجو. كأن الضيف تمنى أن يتفق له إجابة كإجابة غالب، وهو ابن ليلى، فاتفق أن هيىء له إجابة الفرزدق. يشهد لذلك قوله: بعثت له دهماء، يعني بها قدراً. وكشف عن مراده بقوله ليست بلقحة، أي ليست هي بناقة، وإنما هي قدر تدر مرفتها إذا هب عقيم الرياح بالنحس. ويعني به الدبور، لأنها لا تلقح، وبها هلكت الأمم السالفة. وجواب رب المضمرة في قوله داع قوله بعثت له دهماء. وقد اعترض بينهما بيت.
كأن المحال الغر في حجراتهاعذارى بدت لما أصيب حميمها
غضوب كحيزوم النعامة أحمشتبأجواز خشب زال عنها هشيمها
محضرة لا يجعل الستر دونهاإذا المرضع العوجاء جال بريمها
جعل المحال، وهي فقر الظهر، والواحدة محالة، في نواحي القدر وجوانبها لسمنها وبياضها مع تضمن القدر السوداء لها، وإحاطتها بها، كأبكار النساء، وقد لبسن ثياب السلاب لما أصبن بحميمهن، فيبدون بيض الوجوه، سود الثياب. وقد أحكم القول في أصل عذارى في غير هذا الموضع.
وقوله غضوب، يريد غليانها وهزتها، ثم شبه إشرافها بحيزوم النعامة، كما قال الآخر:
نعامة حزباء تقاصر جيدها
وجعلها قد أوقد تحتها النار بحطب جزل أفرد عنها دقاقها وا تهشم من ورقها، والقصد في هذا إلى تعظيم النار الموقدة تحتها لكبرها.
وقوله محضرة أي لا يمنع منها أحد ولا تقنع بما يسترها عن العيون إذا أمحل الزمان، واشتد القحط، وصارت المرأة المرضع قد اعوج خلقتها فجال عليها وشاحها، لانحسار اللحم عنها، وتأثير الهزال فيها. والبريم: خيط يفتل من صوف أبيض وأسود يشد في أحقى الصبيان لتدفع العين به عنها. وثل ما وصف قول الراعي:
إن أقسم قدري وهي بارزةإذ كل قدر عروس ذات جلباب
وقوله: إذا المرضع العوجاء جال بريمها ظرف لقوله محضرة، أو لقوله لا يجعل الستر دونها وفيهما جواب إذا. والحجرات: النواحي، واحدتها حجرة، ويقال: قعد حجرة، فيجعل ظرفاً. وإحماش النار: إلهابها. وأحمشت القدر، إذا أشبعت وقود النار تحتها حتى تغلى، ومنه حمش الشر والغضب، إذا اشتد. وقوله بأجواز خشب، جوز كل شيء: وسطه. وإنما أراد الغلاظ من الحطب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع