من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال سالم بن قحفان، وقد عاتبته امرأته
لقد بكرت أم وليد تلومنيولك أجترم جرماً فقلت لها مهلاً
فلا تحرقيني بالتلامة واجعليلكل بعير جاء طالبه حبلاً
فلم أر مثل الإبل مالاً لمقتنولا مثل أيام العطاء لها سبلاً
يقول: ابتكرت هذه المرأة لائمة لي وعاتبة علي من غير جناية جنيته واكتسبتها، ولا جريمة اجترمتها وقدمتها، فقلت لها: رفقاً في قولك لا خرقا، وصبراً على مضضك واقتصاداً؛ ولا تحرقيني بنار عتبك، وسلطان غيظك، ولكن اتبعي مرادي، واهتدي بهديي، واثقة بأن الصواب في فعلي وقولي، وجوامع الخير مقرونة بعفوي بعفوي وجهدي، واجعلي لكل بعير نصصت عليه لسائل حبلاً، ليقتاده به، مشاركة لي في الكرم وابتغاء الصلاح، وموافقة فيما أوثره من وجوه الاصطناع، لا يظهر منك تكره، ولا اشتطاط وتسخط. واعلمي أني لم أر مالاً مثل الإبل لمن يقتضي خيراً، ويدخر أجراً، ولا مثل أوقات العطاء سبيلاً لها وممراً. ويجوز أن يريد بقوله مالاً لمقتن أي لمن يجمع ما يقتنيه ويجعله الأصل في يساره وغناه. وبعد ذلك فتحويلها إلى العفاة برمتها أعود عليهم وأرد، وأبقى في حالهم وأغنى. والاقتنا: اتخاذ الشيء للنفس لا للبيع. ويقال: هذه إبل قنية، وهذه مال قنيان، لما يتخذ للنسل لا للتجارة. ويقال قنا يقنو، لغتان، ومن الثانية قولهم: أقنى حياءك. ومن الأولى قوله:
كذلك أقنو كل قط مضلل
فرمت إليه امرأته بخمارها وقالت: صيره حبلاًلبعضها وأنشأت تقول:
حلفت يميناً يا ابن قحفان بالذيتكفل بالأرزاق في السهل والجبل
تزال حبال مبرمات أعدهالها ما مشي يوماً على خفه جمل
فأعط ولا تبخل إذا جاء سائلفعندي لها عقل وقد زاحت العلل
يقول: أقسمت يميناً بالله الذي تضمن الأرزاق لمرتزقها، وفطر الخلق الذي اخترعهم في سهل الأرض وحزنها، لا تزال من جهتي حبال مستحصدة معدة لإبلك التي صرفتها في مصارف بذلك مدة الدهر، اقتداء بك، ودخولاً تحت طاعتك. فالمتكفل بالأرزاق هو الله تعالى في أقطار الأرض، وقد وثقنا بتفضله والتعيش من فضله. وقولها تزال حذفت حرف النفي منه لأمنها من الالتباس، وقد مر القول فيه في غير موضع.
وقولها فأعط ترغيب منها وتحضيض، أي توسع في البذل منها، ودع البخل بها، فلا اعتراض عليك، ولا مرادة معك، والعقل من جهتي معدة، والعلل معي مرتفعة. ويقال: أزحت العلة في كذا فزاحت، أي أزلتها فزالت. وحكى الدريدي: زاح الشيء يزيح ويزوح زيحاً وزيحاناً، أي تحريك عن مكانه. وزحته فانزاح، وأزحته فزاح، وهو مزوح ومزاح. وقولها ما مشى يوماً في موضع الظرف، والعامل فيه لا تزال حبال.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع