من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال حاتم
وعاذلة قامت علي تلومنيكأني إذا أعطيت مالي أضيمها
أعاذل إن الجود ليس بمهلكيولا يخلد النفس الشحيحة لومها
قوله وعاذلة انجر بإضمار رب، وجوابه يجوز أن يكون قامت علي وتلومني في موضع الحال، ويجوز أن يكون الجواب محذوفاً، كأنه قال: قلت لها: أعاذل إن الجود ليس بمهلكي، لأن قامت علي من صفة العاذلة. وقوم كأني إذا أعطيت مالي أضيمها اعتراض وقع بين رب وجوابه. والمجرور برب أكثر ما يجيء موصوفاً. ويجوز أن يكون قوله كأني إذا أعطيت مالي أضيمها الجواب.
ثم أقبل عليها يخاطبها، وهذا تشبيه يجري مجرى تصوير الحال في إخراج الخافي إلى البيان، فيقول: رب لائمة على تعتب وتوبخ، كأني أبخس حظاً لها إذا بذلت مالي، أو أغصبها حقاً من حقوقها، لتناهي ظلامها - قلت لها: إن ما أعتده من البذل والسخاء لا يقرب منيتي عن أمدها، ولوم النفس البخيلة، لا يديم بقاءها في دنياها، فإذا كان الجود يفنى والبخل لا يبقي ولا يقنى وكان في السخاء إقامة المروءة واكتساب الأكرومة، وادخار الشكر واقتناء الأجر، فالعقل يوجب الأخذ به، والحزم يقتضى الزهد في غيره.
وتذكر أخلاق الفتى وعظامهمغيبة في اللحد بال رميمها
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسهيدعه ويغلبه علىالنفس خيمها
يقول: إن أخلاق الفتى مذكورة بعد موته، ومترددة في المجالس مع اسمه، فإن حسنت عند الفحص حمدت، وإن قبحت في السمع ذمت. هذا وعظامه بالية قد صارت رمة في لحده، ومغيبة عن المشاهدة ضمن قبره. ومن تكلف ما ليس من
خلقه، أو استبدع خيماً ليس من شأنه، فارقه المستحدث، وعاوده المستقدم. ومثله:
ومن يبتدع خلقاً سوى خلق نفسهيدعه فترجعه إليه الرواجع
ويقال فلان كريم الخيم، أي الطبيعة. وقال أبو عبيدة: هو فارسية معربة.
وقال آخر:
أكف يدي عن أن ينال التماسهاأكف صحابي حين حاجتنا معا
أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشامن الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
يقول: إذا اجتمعت مع أصحابي على طعام لم تزاحم كفى أكفهم، بل آثرتهم بما يروق من الزاد فقلبته العين، واصطفاه القصد، وانقبضت ليستأثروا به دوني إذا كانت حاجتنا متوافقة، وأيدي الآكلين متواردة؛ وأبقى ليلتي صغير البطن، ضامر الجنب، والزاد ممكن، والمشتهي مساعد، فلا أتضلع شبعاً خشية من ذم يلحق، أو عار يلزم. وقوله أن أتضلعا، أي مخافة أن أتضلع. ويقولون: هو الحصن أن يرام ويراد: هو الذي يحصن من أن يرام. قال لبيد:
وهم العشيرة أن يبطىء حاسد
أي تعاشروا وتعاونوا مخافة أن يبطئهم حاسد.
وحذف حرف الجر يكثر مع أن.
وقوله حين حاجتنا معاً حاجتنا مبتدأ، ومعاً سد مسد الخبر، وإن كان في موضع الحال، لأن المصادر إذا ابتدىء بها وقعت الأحوال أخباراً لها، كقولك: ضربي زيداً قائماً. وكذلك المضاف إلى المصدر تقول: أكثر ضربي زيداً قائماً. وانتصب حين على الظرف وقد أضيفت إلى الجملة بعده، والعامل فيه أكف يدي.
وإني لأستحي رفيقي أن يرىمكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وإنك مهما تعط بطنك سؤلهوفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وصف حسن أدبه في مواكلة رفيقه ولفه، وأنه لا يستأثر بما يعجب من الزاد، ولا تظهر منه نهمة وحرص، بل يستحي من أن برى ما يلي يده من الزاد خالي المكان. وليس لأحد أن يقول إن إنقباضه يؤدي إلى انقباض أكيله، وذلك مذموم، وإنما المحمود أن ينبسط في الأكل ويبسط من أكيله وذلك أنه قد بين الغرض في البيت الذي بعده، لأنه قال:
وإنك مهما تعط بطنك سؤلهوفرجك نالا منتهى الذم
فبين أن إبقاءه جانبه من الزاد مشغولاً ليس مع حاجة إليه، ولا عن إمساك يؤدي إلى ما ذكرته، فيصير ذلك سبباً في إنقباض من يواكله، وإنما يريد ما يجري به من عادة الناس من إظهار الشره والذهاب فيه إلى حد السرف، حتى يمد يده إلى ما يلي غيره، ويتخطى أيدي الناس. وهذا ظاهر. وموضع أجمع من الإعراب جر على أن يكون تأكيداً للذم، وهو إلى التأكيد أحوج من قوله منتهى، لأنه متناول للجنس والعموم، وما يفيده في الجنس أولى. وقوله نالا منتهى الذم، كأن الأجود أن يأتي المضارع في جواب الشرط، وقد حصل مضارعاً وظهرت الجزمية فيه، لكنه أتى به ماضياً للضرورة.
وقد ألم بهذه الطريقة المرقش فقال في الغزل:
وإني لأستحي فطيمة جائعاًخميصاً وأستحس فطيمة طاعما
وإني لأستحييك والخرق بيننامخافة أن تلقى أخا لي لائماً
ألا ترى أنه أجمل ما فصله هذا الشاعر في قوله: أستحيي طاعماً، وجائعاً. هذا مع البعد بينه وبين صاحبته. ويجوز أن يريد بقوله مكان يدي من جانب الزاد أقرعا، ويجوز أن يريد بقوله مكان يدي من جانب الزاد أقرعا، أنه يكثر الزاد حتى يسعه وجماعتهم ويفضل أيضاً، والأول أحسن. وأصل الفرع ذهاب شعر الرأس من داء. وحكى أنه قل نعامة تسن إلا قرعت؛ لذلك قيل: نعام قرع. والسول يجوز أن يكون من سلت أسأل، لغة هذيل في سأل. ويجوز أن يكون لين همزته وأصله الهمزة. ويجوز أن يكون من سولت له نفسه كذا، إذا زينت له. وسول له الشيطان كذا، إذا أرخى حبله فيه وفي القرآن: " الشيطان سول لهم ".
وقال الهذلي:
سح نجاء الحمل الأسول
فوصف السحاب بالول لتدليه واسترخائه، لكثرة مائه.
وقال آخر:
أما والذي لا يعلم السر غيرهويحي العظام البيض وهي رميم
لقد كنت أختار القرى طاوى الحشامحافظة من أن يقال لئيم
وإني لأستحيي يميني وبينهاوبين فمي داجي الظلام بهيم
أقسم بالله تعالى المطلع على الضمائر، العالم بخفيات الأمور، والمحيي للأموات بعد أن رمت عظامها وبليت يوم النشور، بأنه يختار إطعام الضيف وإيثاره بالزاد وهو محتاج إليه قد اضطمر حشاه من الجوع، لئلا ينسب إلى اللؤم، وليحافظ على الشرف القديم. ويروى: لقد كنت أختار الخوى. والخوى: خلاء الجوف من الطعام، وخلاء الدار من السكان. فأما من روى: أختار القرى فمعناه ظاهر، يريد أختار إقامة القرى، فحذف المضاف. وبعضهم رواه: لقد كنت أختار القوى وزعم أنه مقصور من القواء؛ وليس بشيء.
وقوله: وإني لأستحيي يميني وبينها وبين فمي داجي الظلام، فقد زاد فيه على ما تقدم في المقطوعة قبله، لأنه ذكر أنه يستحي من نفسه ويده وهو لا ثاني له، في الليلة الظلماء، وإنما يريد تعوده ما يستحسن في الأكل، ويختار في الإطعام، فإذا تفرد جرى على عادته إذا تجمع. وانتصب محافظة على أنه مفعول له. وطاوى الحشا، انتصب على الحال، ويجوز أن يريد إن لم يرني الضيف فيما آتيه عند الأكل للظلام الشامل، ولم يبن له ما أترك، فإنس أستحي م يدي فلا أحجن ولا أستأثر. والأول أحسن. والبهيم: الظلم، وأصله الذي لاشية فيه ولا وضح، أي لون كان، وأراد به هنا تأكيد السواد، لأن قوله داجي الظلام أفاد الإظلام.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع