من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال حطائط بن يعفر أخو الأسود
تقول ابنة العتاب رهم حربتناحطائط لم تترك لنفسك مقعداً
إذا ما أفدنا صرمة بعد هجمةتكون عليها كابن أمك أسودا
رهم ارتفع على البدل من ابنة العتاب، وحطائط منادى مفرد. ويقولون: ما ترك فلان لك مقاماً ولا مقعداً، أي لم يبق لك ما يمكنك الإقامة والقعود له به. والصرمة: الفليل من الإبل. والهجمة أكثر منها، لأنها تقع على الثلاثين أو الأربعين. فيقول: عاتبتني هذه المرأة في إنفاقي وإفضالي، وقالت: أفقرتنا يا حطائط، وأزلت تجملنا، وجنيت على نفسك أيضاً، إذ لم تترك من المال ما تكتفي به، وتستغني عن
السعي والتجول معه، فتريح نفسك من الحل والترحال في طلبه، وتقعد عن التصرف وتحمل المشاق في حوزه واحتجانه، لأنا متى استفدنا قليلاً من الإبل بعدما تفيتنا الكثير منها تعود عليها سالكاً طريق أخيك الأسود بن يعفر، فتفنيه وتخلينا منه. وإنما قال تكون عليها لأنه لما لم يسع في تثميرها كان عليها لا لها. وقد جمع الشاعر بين سيرين في خرزة في قوله تكون عليها كابن أمك.
فقلت ولم أعى الجواب تبينيأكان الهزال حتف زيد وأربدا
أريني جواداً مات هزلاً لعلنيأرى ما ترين أو بخيلاً مخلدا
قوله ولم أعي الجواب، يقال: عييت الأمر وعييت به عياً، ورجل عيي وعي، وعيي عن حجته عيا. يريد: أجبتها ولم أعجز عن محاجتها: تأملي وانظري، هل كان الفقر والهزال سبب موت من مات من عشيرتنا، وأريني سخياً أماه الضر، منا أو من غيرنا، لعلني أهتدي بهديك وأعتقد مذهبك، وأئتمر لك فيما ترينه رشاداً، أو بخيلاً بقي في الدنيا وعاش ما أراد ليطلب بموافقته ما حصل له من الدوام، وانصرف عنه من الشقاء والفناء.
وقوله أريني جواداً أي دليني عليه وعرفيني مكانه. وقال أبو عبيدة في قوله: " أرنا مناسكنا " المراد علمنا، ويروى: لأنني أرى ما ترين، وهو بمعنى لعلني. يقال: ائت السوق لأنك تشتري لنا شيئاً، أي لعلك. ويقال أيضاً: أنك تشتري، وهذا كما تقول: علك ولعلك. ويقال في هذا المعنى: لعنك. وينشد بيت أبي النجم:
واغد لعنا في الرهان نرسله
وبعضهم ينشده: لأنا أي لعلنا. وإبدال الهمزة من العين والعين من الهمزة كثير لا ينكر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع